في ميدفست مصر.. رامي عبد الرازق: النقد يتراجع منذ فترة لصالح ريڤيوهات الأفلام

شهدت قاعة أورينتال في الجامعة الأمريكية بميدان التحرير محاضرة فنية في التذوق السينمائي ضمن فعاليات الدورة السابعة من مهرجان ميدفست مصر، قدمها الناقد رامي عبد الرازق، وتناولت كيفية قراءة السرد والتصوير والصوت والرمزية من خلال التحليل، بهدف تمكين الجمهور من تكوين رؤى مفيدة لصناعي السينما وللمشاهدين.
بدأ المحاضر بالتأكيد على أن تلقي الفنون بطبيعته فطري، وأن درجة الاستمتاع والاستيعاب تختلف من جمهور لآخر تبعًا للثقافة والتعليم والخبرات وظروف المشاهدة، وأن نهم المتلقي بالشاشة يزيد من خبراته وذائقة قد يساهم في تعزيزها.
وأشار إلى وجود تشابه بين المتلقي ومشاهد مباراة كرة القدم: من لا يعرف قواعد اللعبة لا يستمتع بها، لكن بمجرد فهم الأساسيات يبدأ في التمتع والانحياز لفريق. ومع ذلك، يختلف الأمر في الفنون؛ فالممارسة والمتلقي يستفيدان ضمن علاقة تفاعلية متوازية، بينما لا يأتي المشاهد كالممارس الأول في الرياضة.
ورأى أن مصطلح القواعد لا يلاءم الفنون، مفضلًا إطلاق مبادئ وسياقات معرفتها التي تعزز الاستمتاع وتساعد المتلقي على الاندماج مع الشخصيات والمواضيع، وهو ما يثري خبرته الحياتية ويفتح آفاق فهمه على مستويات متعددة، وهذا يميز المتفرجين عن غيرهم.
وشدد على أن الذائقة الفنية ليست مطلقة: لا يوجد فيلم يلامس جميع الأذواق، وكل فيلم قد يناسب فئة أو نمطًا محددًا من الجمهور—بعض الناس يفضلون الدراما الاجتماعية، وآخرون البوليسي أو الكوميدي أو الميلودراما، ولا يعني الاختلاف في التفضيلات قلة قيمة العمل الفني. وفي النقد، قد يرى ثلاثة إلى أربعة نقاد قراءة مختلفة وفقًا لذائقتهم الشخصية.
ولفت إلى أهمية قراءة النقد وحضور المحاضرات كوسائل لتنمية الذائقة وتوسيع المدارك. وفي حديثه عن دور النقد السينمائي في الصناعة قال: لا توجد صناعة سينمائية قوية من دون وجود نقد يحلل شفرة الفيلم ويكشف ما وراء لغته، ما يمنح المتلقي فرصة لإعادة مشاهدة الفيلم بنظرة جديدة، أو تكوين رؤية جديدة إذا لم يشاهده من قبل. أشار إلى أن مفهوم النقد تراجع قليلًا لصالح مراجعات وآراء سريعة، وعدم الاكتفاء بـ«لا نقول إن الفيلم يجب أن يحرق»، وأن النقد العميق يبقى حاجة ضرورية لفهم السرد والبناء والتفاصيل.
ثم ذكر أن بعض الأفلام تخبر المشاهد منذ البداية بأن البطل سيموت، ولكنه يظل متابعًا لمعرفة السبب وراء الموت وليس طريقة الموت، مؤكّدًا أن التعامل مع الأعمال بشكل عميق يجعلنا نستكشف ما وراء القصة وما وراء السرد والبناء والتفاصيل.
وعرض المحاضر فيلمًا قصيرًا بعنوان «إن شالله الدنيا تتهد» من إخراج كريم شعبان وبطولة سلمى أبو ضيف وعماد رشاد وأمير صلاح الدين، مشددًا على أن أي فيلم ذو بناء جيد شأنه أن تكون أول لقطة له ذات معنى، وأن افتتاحيته ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببناء العمل.
أوضح أن المشاهدة تتم على مستويين: وعي وافي ووعي غير مباشر، وأن الكثير من عناصر المتعة تقبع في اللاوعي وتؤثر في الذاكرة والمشاعر. كما أكد أن مكونات الصورة السينمائية تؤثر بشكل عميق في الاستجابة العاطفية بما لا يخاطب الوعي بشكل مباشر في كثير من الأحيان.
شرح تفصيلات اللقطة الأولى لفيلم «إن شالله الدنيا تتهد»، حيث تُظهر البطلة وهي فتاة في أوائل الثلاثينات نائمة وتفكر في أمر يشغلها، ثم تتضح هوايتها في صنع الإكسسوارات، مؤكداً أن تكوين المشهد يوحي بأنها تقف في زاويتين دون أن نعرف السبب، وهو ما يوصل رسالة صانعه إلى اللاوعي لدينا ويهيئنا لمواجهة أزمات متوقعة.
وتطرق أيضًا إلى ملابس الشخصية وتفاصيل هوايتها وما قد تعكسه من جوانب شخصية عن البطل.
عن ميدفست مصر:
انطلق مهرجان ميدفست مصر للمرة الأولى عام 2017 كفعالية تجمع بين صناع السينما والأطباء والمتخصصين النفسيين والجمهور في تجربة تجمع بين الفن والصحة من خلال عروض الأفلام من مصر والعالم، إضافة إلى حلقات نقاش وورش عمل، بهدف إبراز دور السينما في التعبير عن التحديات الإنسانية وفتح مساحات للتفاهم في المجتمع.