في ذكرى ناصر ونصرالله.. قديسان وطنيان وحدا الهلال والصليب

في ذاكرة الشرق الأوسط، هناك رجال لا يرحلون أبدًا، لأنهم لم يكونوا مجرد قادة، بل صاروا رموزًا للوجدان الجمعي، جسورًا تربط بين قلوب المسلمين والمسيحيين، وأيقونات لوطن أكبر من الطوائف. واليوم نقف أمام ذكرى رجلين استثنائيين تحوّلا إلى قديسين وطنيين: جمال عبد الناصر وحسن نصرالله.
الرئيس جمال عبد الناصر لم يكن فقط زعيمًا سياسيًا، بل كان أبًا حقيقيًا لشعب كامل. حين تحدث عن مصر، تحدث عنها كوطن يسكن فيه الجميع دون تمييز، وحين بنى مشروعه التحرري، وضع الكنيسة إلى جانب الأزهر، وجعل من المسلم والمسيحي جناحين لوطن واحد يحلق نحو الحرية. في زمنه شعر المسيحي أن صوته مسموع، وأنه شريك في الحلم القومي، لا مجرد متفرج. لم يعرف التفريق ولا المحاباة، بل عرف كيف يجمع الناس حول راية واحدة هي الوطن. ولو لم تتآمر قوى الخليج والغرب على مشروعه، لربما كان الشرق الأوسط اليوم مختلفًا تمامًا.
أما السيد حسن نصرالله، فقد كان صوت المقاومة ورمز الكرامة. رجلٌ لم يتحدث بلغة الطائفة، بل بلغة الأمة. في خطاباته، لم يرفع سوى راية العدل والتحرير، وجعل من معركته مع إسرائيل قضية تخص كل إنسان حر. إسرائيل، بكل جبروتها، احتاجت إلى آلاف الأطنان من المتفجرات لتغتاله، وكأنها أرادت أن تدمر جيشًا بأكمله، لكنها في الحقيقة كانت ترتجف من رجل واحد. رجلٌ احتضنه الفقراء والبسطاء، وشيّد بدمائه حصنًا اسمه الجنوب اللبناني، فصار رمزًا لا ينكسر.
إن ذكرى ناصر ونصرالله ليست مجرد مرور على أسماء في التاريخ، بل هي تذكير حي بأن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالطائفة ولا تُختصر في الدين، بل في القدرة على جمع المختلفين على قلب وطن واحد. هما قديسان وطنيان لم يفرّقا بين الهلال والصليب، بل وحّدا الصفوف تحت راية المقاومة والعدل، فتركا أثرًا خالدًا في وجدان الشعوب.
ومن هذه الذكرى تنبثق اليوم الحاجة الملحّة إلى بعث مشروع جامع جديد، بروح عبد الناصر ونصرالله، مشروع يرفع راية الوطن فوق الطوائف والانقسامات، ويمنح المسلم والمسيحي شعور الشراكة في المصير ذاته. مشروع لا يتوقف عند حدود الشعارات، بل يواجه الاستعمار والاحتلال والمؤامرات بالإيمان نفسه والصلابة نفسها، ليبقى الشرق الأوسط أرضًا للمقاومة والحرية، لا ساحةً للفتنة والاقتتال.
ت