اللواء محمد رشاد: ملف أشرف مروان لغز معقد.. ليس بطل قومي ولكنه رجل استفادت منه إسرائيل

اللواء محمد رشاد: ملف أشرف مروان لغز لم يُحسم بعد.. بين الوقائع والاتهامات وصناعة الأساطير

لا يزال ملف أشرف مروان، صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومستشار الرئيس أنور السادات، من أكثر الملفات جدلًا وإثارة في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي. فبينما يراه البعض بطلاً قوميًّا خدع إسرائيل وأمد بلاده بمعلومات ثمينة، تؤكد تقارير إسرائيلية وأجنبية أنه كان أهم مصدر للموساد على الإطلاق. اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز المخابرات العامة السابق وخبير الأمن القومي، يفتح هذا الملف الشائك، مستعرضًا تفاصيل دقيقة، تاركًا الحكم النهائي للتاريخ والقارئ.

■ سيادة اللواء، ما تعليقك على ما نشرته صحيفة الأهرام مؤخرًا حول وصف أشرف مروان بالبطل القومي؟

– ما نشر في الأهرام لا يتطابق مع ما هو مثبت في وثائق إسرائيلية ودولية. لجنة “أجرانات” التي شكّلتها إسرائيل بعد حرب أكتوبر أوضحت بجلاء أن تحذيرًا بالغ الأهمية وصل إليها عبر أشرف مروان عشية الحرب.

هذا التحذير، الذي حدد موعد الهجوم بدقة، كان كفيلًا بإنقاذ إسرائيل من المفاجأة الكاملة. لقد سمح لها أن تعبئ قواتها بشكل عاجل، وأن تسرع في نقل وحدات رئيسية إلى سيناء والجبهة السورية، وهو ما غيّر ميزان اللحظة الأولى من المعركة.

■ هل صحيح أن مروان هو من بادر بالاتصال بإسرائيل أصلًا؟

– نعم، هذه واحدة من الوقائع المثيرة. وفقًا للروايات المنشورة في الصحافة الإسرائيلية والغربية، طرق مروان باب السفارة الإسرائيلية في لندن مرتين. في المرة الأولى لم يكن اللقاء مثمرًا، لكن في الثانية ترك بياناته وطلب التعاون المباشر. مجرد هذه الخطوة تكشف أننا أمام شخصية معقدة، سواء رآه البعض خائنًا أو لاعبًا ماهرًا يحاول استغلال الموقف لمصلحة وطنه. لكن الثابت أن المبادرة جاءت منه، وهو أمر لا يمكن إنكاره.

■ ماذا عن لقائه مع رئيس الموساد قبل الحرب بيوم واحد؟

– هذا اللقاء يُعد أخطر ما في القصة. مساء 5 أكتوبر 1973، اجتمع مروان برئيس الموساد تسفي زامير في لندن في جلسة استثنائية وسرية للغاية. خلال الاجتماع، أبلغهم أن مصر وسوريا ستشنان هجومًا مشتركًا على إسرائيل يوم 6 أكتوبر عند الساعة السادسة مساءً. هذا ليس مجرد تخمين أو تسريب عابر، بل معلومة محددة بتوقيت دقيق.

■ وكيف انعكست هذه المعلومة على استعدادات إسرائيل؟

– بعد هذا البلاغ، أصدر قادة إسرائيل أوامر بالتعبئة الشاملة فجر يوم 6 أكتوبر. بحلول الساعة السادسة صباحًا، كانت القوات بدأت في التحرك نحو الجبهة، ومع حلول الظهيرة وصلت وحدات معبأة إلى منطقة المضايق بسيناء. لاحقًا، هذه القوات كان لها دور مباشر في دعم الهجوم المضاد، خصوصًا في معركة النقاط الحصينة على خط بارليف. هذه ليست تفسيرات، بل وقائع مسجلة في محاضر إسرائيلية وكتب عسكرية.

■ إذن، هل يمكن القول إن إسرائيل استفادت بالفعل من هذه المعلومة؟

– بالتأكيد. إسرائيل نفسها اعترفت بأنها كانت لتُفاجأ بالهجوم المصري–السوري لولا هذا التحذير. لكن في المقابل، هناك من يجادل بأن توقيت البلاغ – مساء 5 أكتوبر – لم يمنح إسرائيل الوقت الكافي لإفشال الضربة الأولى بالكامل، وهو ما سمح لمصر بتحقيق نجاح مبكر في عبور القناة.

■ أنت كنت رئيس غرفة معلومات أكتوبر.. كيف رأيت هذه المسألة لاحقًا؟

– من موقعي تابعت عن قرب تفاصيل الخداع الاستراتيجي المصري، وكيف نجحنا في مفاجأة إسرائيل رغم كل قدراتها. لكن بعد سنوات، ومع نشر الوثائق الإسرائيلية، بدا أن ما فعله مروان غيّر كثيرًا من الصورة. لذلك أقول: لا يمكن تبسيط القصة. الرجل قدّم معلومات لإسرائيل، لكن هل فعل ذلك بوطنية ملتبسة أم لخدمة شخصية؟ هذا ما لم يُحسم بعد.

■ كيف استطاع أشرف مروان الوصول إلى هذا النفوذ الكبير؟

– زواجه من منى عبد الناصر وضعه في قلب دائرة الحكم. في عهد السادات، تعاظم دوره كمستشار سياسي مطّلع على ملفات استراتيجية. كان حاضرًا في اجتماعات حساسة، على صلة بقرارات كبرى، وأحيانًا ناقلًا لرسائل دبلوماسية. هذه المكانة جعلته كنزًا لأي جهاز مخابرات يبحث عن اختراق للقيادة المصرية.

■ لننتقل إلى نهايته الغامضة في لندن عام 2007.. ما دلالاتها؟

– وفاته زادت الغموض أكثر. سقوطه من شرفة منزله في حي راقٍ بلندن أثار أسئلة بلا إجابة. هل كان حادثًا؟ انتحارًا؟ أم اغتيالًا مدبرًا؟ بعض الفرضيات تقول إن الموساد تخلص منه خشية كشف مزيد من الأسرار، والبعض الآخر يشير إلى أن أطرافًا عربية أرادت طيّ صفحة هذا الملف. نهايته جاءت كما عاش: غامضة ودرامية، تزيد من لغز شخصيته.

■ لماذا برأيك يصر البعض في مصر على وصفه بالبطل القومي؟

– جزء من ذلك يعود إلى رغبة البعض في صناعة صورة أسطورية لرجل ارتبط برموز سياسية كبرى. وجزء آخر بسبب غياب المعرفة الدقيقة بالوثائق والوقائع الكاملة. لكن الحقيقة أن الحكم عليه يحتاج إلى قراءة متأنية واطلاع على المصادر المختلفة، بعيدًا عن الانفعال أو الانحياز.

■ وأخيرًا.. كيف يمكن تلخيص شخصية أشرف مروان اليوم؟

– أراه شخصية بالغة التعقيد، لا يمكن حصرها في كلمة واحدة. نعم، إسرائيل استفادت من معلوماته. نعم، هناك احتمالات بأنه حاول المناورة لصالح بلاده. لكن الدوافع الحقيقية، والنية الكاملة وراء تحركاته، ستظل لغزًا حتى تخرج كل الوثائق من الأدراج السرية. لذلك أقول: هو ليس بطلًا قاطعًا ولا خائنًا مؤكدًا، بل شخصية محيرة ستظل تثير الجدل أجيالًا طويلة.

🔴 هكذا يظل ملف أشرف مروان مفتوحًا، تتداخل فيه الحقائق الصلبة مع الروايات المتناقضة، ويبقى السؤال معلقًا: هل كان الرجل صانع أسطورة وطنية أم ورقة رابحة في يد العدو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى