حين يُردّ الجميل بالسباب..وكيل جهاز مباحث أمن الدولة في حوار ساخن عن ملف اللاجئين السوريين بمصر

في زمنٍ تختلط فيه المفاهيم بين الحرية والفوضى، وبين النقد والإهانة، تظل مصر شامخة بتاريخها ومواقفها، لا تسمح لضيف أن ينسى فضلها، ولا لصوتٍ عابر أن ينال من كرامتها. حين فُتحت أبوابها على مصراعيها لإخوتها السوريين الهاربين من نار الحرب، لم يكن في حساباتها سوى الواجب القومي والإنساني. احتضنتهم بقلوب المصريين قبل مؤسسات الدولة، منحتهم الأمن والعمل والتعليم، ورفضت أن تُذل كرامتهم كما حدث في بلدان أخرى.

لكن ما حدث مؤخرًا من إساءات وسباب بحق الدولة ورئيسها على لسان بعضهم، فجّر موجة غضب، وطرح سؤالًا صريحًا: هل يُجازى المعروف بالجحود؟ وهل يحق للضيف أن يرفع صوته بالشتيمة فوق أرضٍ لم تبخل عليه بشيء؟

عن هذه القضية الملتهبة، وعن الحدود الفاصلة بين الحرية والوقاحة، والأمن القومي وحق الضيافة، نحاور اللواء عبد الحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، في حديث صريح لا يعرف المجاملة، ويضع النقاط فوق الحروف.

س: بداية سيادة اللواء.. كيف استقبلت مصر السوريين بعد اندلاع الحرب في بلادهم؟

ج: منذ اللحظة الأولى لانفجار الأزمة السورية، لم تتعامل مصر مع الأشقاء السوريين بعقلية “اللاجئ”، بل بعقلية “الضيف والشقيق”. لم تُنشأ لهم مخيمات معزولة، ولم يُنظر إليهم كغرباء، بل فُتحت لهم الأبواب كما تُفتح لأهل البيت. هذا الموقف لم يكن وليد قرار سياسي فقط، بل كان انعكاسًا لثقافة الشعب المصري الذي يرى في السوري أخًا وابنًا من أبناء الأمة الواحدة. المدارس استقبلت أبناءهم، الجامعات فتحت أبوابها، المستشفيات عالجتهم بلا تمييز، والأسواق والعمل رحبت بهم. وهذه المعاملة تميزت بها مصر وحدها تقريبًا مقارنة بدول أخرى فرضت قيودًا قاسية.

س: هل تم التفكير في إقامة مخيمات أو عزلهم عن المجتمع كما فعلت دول أخرى؟

ج: بالعكس، الدولة المصرية رفضت تمامًا فكرة المخيمات لأنها تنتقص من كرامة الإنسان. نحن نعلم كيف عانى الفلسطينيون لعقود في المخيمات، ولم نرد أن يكرر السوريون نفس المأساة. من أول يوم، كان التوجيه واضحًا: السوري يعيش وسط المصريين. هذه السياسة جعلت السوريين يندمجون بسرعة، وأصبح لهم أنشطة اقتصادية وتعليمية واجتماعية ناجحة، بل إن الكثير منهم اعتبر مصر وطنًا ثانيًا حقيقيًا.

س: ما مظاهر هذا الاندماج تحديدًا؟

ج: السوريون في مصر لم يكونوا عبئًا، بل إضافة. أسسوا مطاعم ومتاجر ناجحة، جلبوا خبراتهم في التجارة والصناعة، وشاركوا بفاعلية في الاقتصاد. في بعض الأحياء أصبحت المطاعم السورية علامة تجارية محبوبة للمصريين، بل وخلقت فرص عمل للمصريين أنفسهم. هذا دليل على أن مصر لم تضيّق عليهم، بل وفرت بيئة سمحت لهم بالنجاح.

س: لكن مؤخرًا خرجت مظاهرات في سوريا تضمنت هتافات مسيئة لمصر ورئيسها.. كيف تقرأون ذلك؟
ج: هنا يجب أن نكون واضحين. نحن لا نحمّل كل السوريين مسؤولية ما جرى، لكننا نعتبر أن ما حدث تجاوز كبير وغير مقبول. مصر التي احتضنتهم وقدمت لهم ما لم يقدمه غيرها، لا تستحق أن تكون هدفًا للسباب أو للهتافات العدائية، حتى لو جرت هذه التصرفات في أرض أخرى. عندما تسمع الدولة أو الشعب مثل هذه الإساءات، يكون الشعور طبيعيًا بالخذلان، لأن المعروف يُقابل بالجحود، وهذه مسألة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.

س: البعض يقول إن ما جرى يندرج تحت بند “حرية التعبير”.. ما تعليقكم؟
ج: الحرية شيء، والشتيمة شيء آخر. حرية التعبير معناها أن تعترض بأدب، أن تناقش، أن تنتقد سياسات، لكن أن تتحول الحرية إلى منصة للسباب، فهذا ليس حرية بل إساءة. الدول لا تُدار بهذه الطريقة، والعلاقات بين الشعوب تُبنى على الاحترام المتبادل. لذلك نحن نعتبر ما حدث تجاوزًا لا يمكن تمريره تحت أي غطاء.

س: برأيكم، هل هذه المواقف معزولة أم قد تتحول إلى اتجاه عام؟
ج: هي مواقف معزولة، لكن خطورتها أنها قد تُستغل وتكبر. أي كلمة خارجة ضد مصر يتم تضخيمها إعلاميًا لتصوير الأمر وكأنه تيار عام، بينما الحقيقة أن الغالبية العظمى من السوريين في مصر يحترمون البلد ويقدرون ما فعلته لهم. ومع ذلك، علينا أن نكون يقظين لأن التكرار يضعف الثقة ويؤثر على صورة العلاقات.

س: وهل ترون أن هذه الأحداث قد تؤثر على أوضاع السوريين في مصر؟
ج: دعنا نكون صريحين: مصر بلد كريم، لكن الكرم لا يعني التهاون في كرامتها. إذا تكررت مثل هذه المواقف، ستضطر الدولة إلى إعادة النظر في أسلوب تعاملها مع من يسيء. ليس من المقبول أن تستضيف مصر ضيفًا ثم يتطاول على سيادتها أو رموزها. الضيافة مشروطة دائمًا بالاحترام المتبادل.

س: هل هناك محاولات لتوظيف هذه المظاهرات سياسيًا ضد مصر؟
ج: نعم، هناك أطراف إقليمية ودولية لا تريد لمصر أن تبقى قوية ومستقرة. هؤلاء يستغلون أي حادثة – مهما كانت صغيرة – ويحاولون تحويلها إلى أداة لتشويه صورة مصر أو الضغط عليها سياسيًا. استغلال اللاجئين كورقة ضغط ليس جديدًا، فقد استخدم مع الفلسطينيين والعراقيين من قبل، واليوم يحاولون استخدام السوريين بنفس الطريقة.

س: كيف تردون على المقارنة التي يعقدها البعض بين مصر ودول عربية أخرى في ملف اللاجئين؟
ج: هذه مقارنة ظالمة. في دول أخرى، السوريون محصورون في خيام بلا حقوق حقيقية، يعيشون سنوات بلا تعليم ولا عمل. بينما في مصر، لم يُسأل لاجئ عن ورقة إقامة، ولم يُمنع من التعليم أو العمل. كثير من السوريين يقولون بلسانهم إن مصر أنقذتهم من ضياع أكبر. إذن، المقارنة في صالح مصر لا ضدها.

س: هل تدرك الجالية السورية في مصر حجم ما قدمته الدولة لها؟
ج: أعتقد أن الغالبية تدرك ذلك وتشعر بالامتنان. هناك علاقات مصاهرة وزواج، وهناك مشاريع ناجحة، وهناك سوريون يعتبرون مصر وطنًا ثانيًا. لكن للأسف، أي إساءة صغيرة تغطي على الصورة الكبيرة، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه.

س: ما الرسالة التي توجهونها لتلك القلة؟
ج: أقول لهم: غضبكم يجب أن يُوجَّه إلى من دمّر بلدكم، لا إلى من فتح لكم أبوابه. مصر لم تكن يومًا عدوًا لكم، بل سندًا وعونًا. ومن يسيء لمصر إنما يسيء لنفسه، لأن مصر ليست بحاجة إلى أحد، بل الآخرون هم من يحتاجون إليها.

س: ماذا عن موقف مصر التاريخي من سوريا تحديدًا؟
ج: يكفي أن نتذكر حرب 1973، حين قاتل الجيش المصري والجيش السوري كتفًا إلى كتف ضد العدو الإسرائيلي. ويكفي أن نتذكر الدعم السياسي والاقتصادي الذي قدمته مصر في أزمات مختلفة. إذن، العلاقة ليست وليدة اليوم، بل لها جذور عميقة في التاريخ الحديث والقديم.

س: كيف تفسرون الفرق بين معاملة مصر ومعاملة دول أخرى للاجئين؟
ج: الفرق واضح: نحن نظرنا إليهم كبشر لهم حقوق وكرامة، بينما غيرنا تعامل معهم كأرقام وعبء أمني. وهذا يعكس ثقافة المجتمع المصري، الذي لا يرضى أن يرى ضيفًا عنده مهانًا.

س: ما موقف الدولة المصرية من أي إساءة حتى لو صدرت خارج أراضيها؟
ج: مصر لا تقبل الإهانة من أي طرف، سواء كان في الداخل أو الخارج. السيادة المصرية ورموز الدولة خطوط حمراء.

س: هل تعتبرون هذه القضية مجرد أزمة عابرة أم تمس الأمن القومي؟
ج: هي مرتبطة بالأمن القومي، لأن أي خطاب معادٍ لمصر يمكن أن يُستغل لخلق فتنة أو شرخ في العلاقات. الأمن القومي ليس فقط حدودًا وسلاحًا، بل هو أيضًا صورة وكرامة وهيبة الدولة.

س: البعض يرى أن مصر حساسة تجاه النقد.. ما ردكم؟
ج: هناك فرق كبير بين النقد والشتيمة. مصر تقبل النقد البناء، وتستمع للنقاش، لكن لا أحد يقبل أن تتحول الحرية إلى أداة لإهانة بلد بحجم مصر.

س: كيف تتعامل الأجهزة الأمنية مع مثل هذه الوقائع؟
ج: الأجهزة تتابع وترصد، وتفرق بين من يمارس حقه في التعبير ومن يتجاوز حدوده ليصل إلى الإساءة أو التحريض. الدولة حكيمة، لكنها لا تترك الأمور بلا ضوابط.

س: هل هذه الإساءات قد تدفع مصر لتغيير سياستها تجاه اللاجئين السوريين؟
ج: إذا أصبحت ظاهرة متكررة، بالتأكيد سيكون هناك إعادة نظر. مصر رحبت بهم لأنها تراهم أشقاء، لكن الأشقاء الحقيقيين يحافظون على كرامة بيتهم الثاني، لا يسيئون إليه.

س: ما الدرس الذي على اللاجئ السوري أن يتعلمه من التجربة المصرية؟
ج: أن يفهم أن ما حصل عليه في مصر لم يحصل عليه في أي دولة أخرى تقريبًا. أن يعيش وسط الناس، ويعمل بحرية، ويتعلم أولاده بلا عوائق، هذا فضل كبير يجب أن يُقابل بالشكر لا بالجحود.

س: كلمة أخيرة في هذا الملف؟
ج: مصر ستظل دائمًا أرض الكرم والعروبة، لكنها أيضًا أرض الكرامة والسيادة. من يقدرها مرحب به، ومن يسيء لها فليبحث عن مكان آخر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى