قصة نجاح مصرية في مواجهة تحديات سد النهضة

بقلم خالد رفعت:
في يوليو 2020، ومع أول ملء لسد النهضة الإثيوبي، ساد القلق من أن يأتي الفيضان في السنوات التالية منخفضًا، الأمر الذي كان سيمنح إثيوبيا فرصة لاحتجاز كميات ضخمة من المياه داخل بحيرة السد، وهو ما كان سيشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المائي المصري.
على الفور، صدرت تعليمات رسمية بتقليل استخدام المياه إلى أقصى درجة، ومنع زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك مثل الأرز وقصب السكر، مع تسريع أعمال تبطين وتطهير الترع، بهدف توفير أكبر قدر من المياه تحسبًا لسنوات الجفاف المقبلة.
لكن بفضل العناية الإلهية، جاء الفيضان في العام الأول متوسطًا. وفي العام التالي، ومع الملء الثاني للسد، جاء الفيضان عاليًا، ليتجاوز منسوب المياه 177.88 متر، وهو الحد الذي يتطلب فتح مفيض توشكى لتخفيف الضغط على السد العالي.
هنا واجهت الدولة خيارين أحلاهما مر: إما تصريف المياه الزائدة نحو البحر وبالتالي خسارة كميات ثمينة إذا جاء فيضان منخفض في السنوات التالية، أو الاحتفاظ بها داخل بحيرة السد العالي ومفيض توشكى، مع المخاطرة إذا تكرر فيضان عالٍ في الأعوام المقبلة.
ولأن القرار كان مصيريًا، تمت الاستعانة بخبراء من كلية الهندسة بجامعة القاهرة، الذين اقترحوا إنشاء مجموعة ترع جديدة كامتداد لمفيض توشكى، قادرة على سحب المياه من ارتفاع 150 متر فقط، وهو ما يمكن تنفيذه في أي وقت، حتى في حال انهيار سد النهضة سواء بعد اكتماله أو أثناء إنشائه. هذا الحل ضاعف من سعة المفيض، وأتاح شحن الخزان الجوفي بالمياه، لتصبح صالحة للزراعة في المستقبل.
المشروع لم يكن صغيرًا؛ إذ بلغ طول التفريعات الجديدة 80 كيلومترًا، مقارنة بـ22 كيلومترًا لقناة المفيض الأصلية. وهدف المشروع رفع حجم التخزين من 20 مليار متر مكعب إلى 80 مليار متر مكعب، ما يتيح زراعة 230 ألف فدان إضافي. وبذلك أصبح لمصر فائض مائي يصل إلى 60 مليار متر مكعب، وهو رقم يفوق حصتها السنوية من مياه النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب.
وبقرار سيادي، تم اعتماد المشروع والبدء في تنفيذه فورًا، حيث عملت فرق الهيئة الهندسية ليل نهار حتى إنجازه في 11 شهر فقط، ليصبح جاهزًا بنهاية 2023. وقد واجه المشروع تحديات هائلة، منها تفجير جبل جرانيت بطول 9 كيلومترات في فرع رقم 4، إلى جانب ظروف مناخية قاسية.
وفي فيضان 2025، تحقق ما كان متوقعًا؛ إذ ملأت إثيوبيا بحيرة سد النهضة وفتحت بواباته، بينما كانت بحيرة السد العالي ممتلئة حتى آخرها. وقتها، تم تشغيل تفريعة المفيض الجديدة على منسوب 150 متر، ثم المفيض نفسه على منسوب 177.88 متر، لتستوعب مصر كامل كميات المياه القادمة، بينما غمرت السيول السودان. وبفضل هذا المشروع، تمت حماية مصر، وزُرعت مئات الآلاف من الأفدنة بالقمح.
لقد جسّد هذا النجاح كيف يمكن لمزيج من علم الخبراء المدنيين، وانضباط رجال الهيئة الهندسية، والدعم السياسي المباشر، أن يحول تحديًا مصيريًا إلى قصة نجاح وطنية. قصة تستحق أن تتكرر في كل مشروعاتنا القومية.
حمى الله مصر وشعبها