صموئيل العشاي يكتب: حتى لا نصبح قتلة!

هل أنت قاتل يا صديقي، أم شريك في القتل؟
سؤالي مباشر وقاسٍ، لكنه ضروري. كل كلمة تكتبها في مقالك، كل جملة تنشرها في تغطيتك الصحفية، قد تتحول إلى رصاصة إضافية في صدر طفل أو امرأة في غزة. فهل ما تكتبه حقًا يعيد الحق لأصحابه، أم أنه — من حيث لا تدري — يشجع على استمرار حرب الإبادة التي تلتهم الأبرياء؟
عليك أن تدرك أن أي خطاب يدعم استمرار القتال، سواء أكان تأييدًا لحماس أو لنتنياهو وحكومته المتطرفة، هو مشاركة ضمنية في جريمة جماعية ضد مواطنين عُزّل، لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في قلب النار.
إن بنيامين نيتنياهو، هذا المجنون المهووس بالبقاء السياسي، وحكومته التي تتغذى على التطرف، يعرفون جيدًا أن ساعة المحاسبة ستأتي لا محالة، وأن المحاكمات ستلاحقهم بمجرد أن تضع الحرب أوزارها. لذلك هم يدفعون بكل ما لديهم لإطالة أمد الحرب، لأن استمرار الدم بالنسبة لهم ضمانة للاستمرار في الحكم.
وعلى الجانب الآخر، حماس — التي عاشت سنوات من عزلة ورفض دولي بعد سقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي تلطخت سمعتها بسلسلة عمليات إرهابية ضد الجيش والشرطة والكنائس وحتى مسجد الروضة — وجدت في هذه الحرب فرصة ذهبية لتجميل صورتها الدموية وإعادة تقديم نفسها للعالم كـ”مقاومة” بدلًا من جماعة مسلحة معزولة.
أما ترامب، فقصته لا تقل غرابة. رغبته المحمومة في الفوز بجائزة نوبل للسلام دفعته إلى الضغط على القاتل نيتنياهو لإنهاء الحرب. ونتنياهو، بدهائه المعروف، أبدى موافقة شكلية وهو يعرف مسبقًا أن حماس سترفض، ليبقى هو في مأمن ويستمر النزيف الفلسطيني بلا توقف.
في وسط هذه الدوامة المجنونة، كان الصوت العاقل الوحيد هو صوت الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أدرك أبعاد اللعبة منذ بدايتها. أوقف مخططات التهجير، وسعى لإنقاذ الأرواح من الجانبين، وناشد الفلسطينيين والإسرائيليين بوقف القتال. تحركه لم يكن بدافع المكاسب السياسية، بل من منطلق إنساني ومسؤولية تاريخية تجاه الحفاظ على أرواح البشر. وفي رأيي المتواضع، إن كان هناك من يستحق نوبل للسلام، فهو السيسي لا سواه.
لذلك يا زميلي العزيز، أرجوك ألا تتحول كتاباتك إلى أداة في يد نيتنياهو أو حماس. لا تكن وقودًا لمحرقة جديدة، ولا تجعل الكلمة ذريعة لمزيد من الدماء. انحز للناس — كل الناس — انحز للأطفال الذين يحلمون باللعب، وللأمهات اللواتي يبحثن عن كسرة خبز، وللشيوخ الذين يريدون دفن موتاهم بكرامة.
الصحافة الحقيقية ليست ساحة للتحريض، بل ميزان للعدل ومرآة للضمير. واجبنا أن نكتب بصدق، لكن بوعي أيضًا. نكشف الحقيقة، نعم، لكن لا نسمح أن تتحول أقلامنا إلى ذخيرة في يد القتلة.
انحاز للإنسان، يا صديقي، قبل أن تنحاز لأي طرف. لأن التاريخ لا يرحم، ولأن الدم لا يغسله خطاب.