صموئيل العشاي بكتب : انتصرنا بسبب آخر كيلو سكر

العنوان بسيط… لكنه يختصر لك حكاية وطن، وشعب لا يعرف إلا العطاء مهما كانت الظروف قاسية.
في بداية الحرب الملعونة على غزة، وبينما كانت الشاشات تمتلئ بالدمار، كان في بيوت المصريين ضوء صغير من الأمل والإنسانية. لم يكن هناك وقت للحسابات ولا للتفكير في الغلاء ولا في ندرة السلع، كان هناك فقط إحساس عميق بأن مصر لا يمكن أن تقف متفرجة على الألم.
أتذكر زميلتي الصحفية وهي تقول لي بصوتٍ متعبٍ لكنه مليء بالعزيمة:
«آخر كيلو سكر في بيتي… هوديه للقافلة اللي بتنظمها نقابة الصحفيين، علشان أهل غزة».
كلماتها لم تكن مجرد جملة عابرة، كانت موقفًا يختصر كل معاني التضحية.
في تلك الأيام، كان تجار الأزمات – أو كما أسماهم المصريون «صهاينة الداخل» – قد رفعوا سعر كيلو السكر إلى ١٢٠ جنيهًا، مستغلين موجة التعاطف الشعبي الجارفة مع أهل غزة، بعدما اندفع المصريون لشراء المؤن والمساعدات لإرسالها إلى هناك.
لكن رغم الغلاء والجشع، لم يتراجع المصريون.
لم يتوقفوا عن العطاء، حتى وإن كان العطاء من قوت يومهم.
آخر كيلو سكر لم يكن مجرد تبرع بسيط من صحفية تعاني ضيق المعيشة، بل كان قمة الإيمان بفكرة التضامن الإنساني، والتعبير الأصدق عن معدن هذا الشعب الذي يعطي دون انتظار مقابل.
وفي شارع آخر، كان هناك بائع برتقال بسيط، لم يملك ما يقدمه لقوافل الدعم، فقرر أن يقدم ما يملكه… البرتقال.
حين مرت أمامه سيارات محمّلة بالمساعدات إلى معبر رفح، ألقى ببرتقاله على السيارات، وهو يصرخ بصوتٍ غلبه البكاء:
«البرتقال ده لأهالي غزة!»
مشهد بسيط، لكنه أشعل القلوب على مواقع التواصل الاجتماعي، وصار رمزًا للحب الفطري النقي الذي يسكن قلب المصري.
الدعم المصري لم يكن مجرد قصصٍ تُروى على الشاشات، بل حقائق تُكتب على الأرض، ومواقف تتكرر كل يوم بصمت وكرامة.
من آخر كيلو سكر إلى آخر رغيف عيش، ومن بائع بسيط إلى طبيب ومهندس وجندي، الجميع شارك بما يستطيع، لأنهم يعرفون أن مصر لا تبخل على أحد في وقت الشدة.
نحن لا نغفر الجرائم التي ارتكبتها حماس ضد أبناء وطننا، ولا ننسى ما فعلوه بدماء المصريين وجنودنا وكنائسنا ومساجدنا، لكننا نميز بين من باع الدم، ومن ينزف اليوم بلا ذنب.
ندعم الشعب الفلسطيني، لا التنظيمات التي خانته.
نقف مع حق الإنسان الفلسطيني في الحياة والكرامة، ومع حق الطفل هناك أن يحلم بغدٍ بلا خوف ولا حرب.
هكذا انتصرنا…
ليس بالسلاح ولا بالصوت العالي، بل بإنسانيتنا التي لم تمت رغم كل الجراح.
انتصرنا لأننا شعب يعطي حتى لو لم يبقَ في بيته إلا آخر كيلو سكر.
انتصرنا لأننا مصريون… والإنسانية فينا لا تُشترى ولا تُباع