إيناس الدغيدي.. المرأة التي هزمت طيور الظلام بالحب

بقلم – صموئيل العشاي

الفرح الذي صنعته المخرجة إيناس الدغيدي في قلب القاهرة لم يكن مجرد حفل زفاف لسيدة فنية مخضرمة تجاوزت السبعين من عمرها، بل كان بيانًا رمزيًا للحياة والانتصار على ثقافة الموت والانغلاق. لقد أثبتت الدغيدي مرة أخرى أنها لا تزال قادرة على إشعال الجدل، ليس فقط بكاميرتها هذه المرة، بل بخطوة إنسانية جريئة عنوانها: “من حقي أن أعيش وأحب.”

إيناس الدغيدي، ابنة حي المنيرة العريقة، خريجة المعهد العالي للسينما عام 1975، بدأت حياتها كمساعدة مخرج قبل أن تقتحم عالم الإخراج في الثمانينيات بأعمال كسرت المحظورات، وقدّمت خطابًا نسويًا متقدمًا على عصرها. كانت من أوائل المخرجات العربيات اللاتي تجرأن على مناقشة قضايا المرأة والجسد والحرية والازدواجية الأخلاقية في المجتمع المصري، فصارت أيقونة للجرأة الفكرية والفنية.

منذ فيلمها الأول “عفوًا أيها القانون” (1985) الذي هزّ الرأي العام، مرورًا بـ “المرأة والقانون” و”لحم رخيص” و”مذكرات مراهقة” و”الباحثات عن الحرية”، وحتى تصريحاتها التي لا تخلو من الصراحة، بقيت الدغيدي شوكة في حلق المتطرفين و”طيور الظلام” الذين لا يحتملون امرأة تفكر بحرية أو تتحدث بصدق. كانت دائمًا تقول: “الفن رسالة تحرر لا تبرير، والحب ليس ترفًا بل حقًا إنسانيًا.”

ما يثير الدهشة اليوم ليس فرح إيناس الدغيدي ذاته، بل ردود الأفعال حوله. كيف يمكن أن تتحول فرحة إنسانية إلى معركة أخلاقية؟ كيف يغضب البعض لأن سيدة تجاوزت السبعين أحبّت وتزوجت؟ إن الأزمة الحقيقية ليست في “زفاف الدغيدي”، بل في مجتمع فقد الإحساس بالحب والجمال، وغرق في ثقافة الوصاية والتشكيك.

لقد قدّمت إيناس الدغيدي عبر تاريخها نموذجًا للمرأة القوية التي تختار ولا يُختار لها، تفكر بعقلها وتعيش بإرادتها، وترى في الفن وسيلة للارتقاء لا للابتذال. وبالرغم من الهجوم المتكرر عليها، فإنها لم تتراجع يومًا، بل واصلت مشوارها مؤمنة بأن التنوير معركة طويلة لا يربحها إلا الصادقون.

من يشاهد مشهد زفافها الراقي أمس، الذي جمع نخبة من أصدقائها الفنانين والمثقفين، سيرى في عينيها لمعان فتاة لا تزال تؤمن بالحب والحياة، وسيسمع في ضحكتها صوت مصر التي تريد أن تتنفس، أن تحب، أن تفرح. أما الذين ضاقوا صدرًا بفرحتها، فهم أنفسهم من يكرهون الضياء لأنهم لا يستطيعون العيش إلا في العتمة.

الحقيقة أن أزمة مصر الآن هي أزمة حب قبل أن تكون أزمة اقتصاد أو سياسة. نحن بحاجة إلى أن نتصالح مع أنفسنا، مع الحياة، مع فكرة الفرح ذاته. نحتاج إلى أن نعيد الاعتبار لقيمة “البهجة” التي صارت تُعد ترفًا أو خطيئة. فحين يفرح المبدعون، تتنفس الأمة. وحين يحزنون، تذبل روحها.

إيناس الدغيدي لم تتزوج فقط… بل أعلنت انتصارها الأخير على كل الأصوات التي أرادت أن تحكم عليها بالوحدة أو الصمت. لقد انتصرت للحياة، وللمرأة المصرية الحرة، وللفن الذي يرفض أن يُدفن تحت ركام الكراهية.

إن رسالة الدغيدي تتجاوز حدود الفن إلى جوهر الإنسانية ذاتها.

إنها تقول لكل امرأة وكل رجل: عيشوا حياتكم كما تحبون، فالحب ليس ضد القيم، بل هو جوهرها. مصر لا تحتاج إلى مزيد من الوعّاظ الغاضبين، بل إلى مزيد من العقول المستنيرة والقلوب المفتوحة. فحين ينتصر الحب، تسقط الكراهية. وحين يعلو صوت الجمال، يخفت ضجيج الظلام.

مبروك يا إيناس…

يا من علمتنا أن الفن موقف، وأن الحب شجاعة، وأن العمر الحقيقي ليس بعدد السنين، بل بقدرتنا على أن نحب ونُحبّ.

دمتِ مبدعة ومحاربة للجهل، تنيرين الطريق كما فعلتِ دومًا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى