صموئيل العشاي يكتب: صراع حماس ودغمش في غزة.. الاثنان قتلا المصريين

ما يجري اليوم في قطاع غزة ليس مجرد اشتباك محدود بين مجموعتين مسلحتين، ولا يمكن اختزاله في صورة “خلاف داخلي” كما يحاول البعض تصويره. الحقيقة أن ما يحدث هو فصل جديد من صراع طويل بين جماعتين حملتا السلاح ورفعتا شعارات دينية لتبرير العنف، بينما في جوهر الأمر يدور الصراع حول النفوذ والسيطرة والهيمنة على القطاع الذي أنهكته الحروب والانقسامات.
من جهة، تقف حركة حماس، التي استولت على غزة عام 2007 بعد معارك دامية مع حركة فتح، وأقامت كيانًا مغلقًا تحكمه بقبضة أمنية وأيديولوجية صارمة تحت راية “المقاومة”. ومن الجهة الأخرى، تقف عائلة دغمش التي خرج منها ممتاز دغمش، مؤسس ما يسمى بجيش الإسلام، وهو فصيل سلفي جهادي وُلد من رحم الفوضى بعد انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، واتخذ من فكر القاعدة مرجعًا ومن السلاح طريقًا وحيدًا للتغيير. وبين الطرفين تاريخ من التحالفات القصيرة والانقلابات المتكررة، فبعد أن جمعهما هدف السيطرة في البداية، فرّق بينهما صراع الكراسي والنفوذ.
لم يكن جيش الإسلام يومًا بعيدًا عن دماء المصريين، فقد وُجهت إليه اتهامات من وزارة الداخلية المصرية بالضلوع في تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية ليلة رأس السنة عام 2010، وهو الحادث الإرهابي الذي هزّ ضمير المصريين جميعًا حين استُهدف المصلون داخل بيت من بيوت الله وسقط العشرات بين قتيل وجريح. ذلك الحادث أعاد إلى الأذهان حقيقة أن قطاع غزة، في فترات معينة، كان مأوى لبعض العناصر المتطرفة ومصدرًا لتدريب الهاربين من العدالة. ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسم جيش الإسلام وقياداته في الذاكرة الأمنية المصرية بكل ما هو مرتبط بالتكفير والعنف العابر للحدود.
أما حماس، فلم تكن بعيدة عن دائرة الاتهام. فقد طالتها اتهامات رسمية وشعبية في مصر خلال السنوات التي تلت 2011 بالتورط، بشكل مباشر أو غير مباشر، في عمليات استهدفت عناصر من الجيش والشرطة في سيناء، أو في تسهيل عبور عناصر إرهابية عبر الأنفاق المنتشرة على الحدود الشرقية. ورغم أن الحركة ظلت تنفي تلك الاتهامات وتؤكد التزامها بعدم التدخل في الشأن المصري، فإن الشكوك لم تغب عن الوعي العام، خصوصًا في ظل تقارير وتحقيقات أمنية مصرية أشارت إلى وجود دعم لوجيستي أو تنسيقي قدمته بعض المجموعات داخل غزة لجماعات متطرفة كانت تستهدف الأمن المصري.
لقد دفع المصريون ثمنًا باهظًا في مواجهة الإرهاب، وسقط من أبناء الجيش والشرطة عدد كبير من الشهداء الذين تصدوا للتنظيمات المسلحة في سيناء، وهي التنظيمات التي استغلت الأنفاق والحدود غير المستقرة بين غزة ومصر لتمرير السلاح والمقاتلين. ولأن الذاكرة الوطنية لا تنسى، فقد بقيت هذه الاتهامات حاضرة كلما عاد الحديث عن الفوضى في غزة أو عن تمدد الجماعات المتشددة فيها، إذ يرى كثير من المصريين أن الطرفين، حماس ودغمش، يتحملان نصيبًا من المسؤولية في تغذية مناخ الإرهاب الذي أضرّ بمصر والمنطقة بأكملها.
اليوم يتجدد الصراع داخل القطاع بين الطرفين، في مشهد دموي يعكس مأساة غزة التي لم تعرف الاستقرار منذ سنوات. فبين حكم حماس الحديدي من جهة، وتغوّل الجماعات السلفية من جهة أخرى، يعيش سكان القطاع دوامة عنف لا تنتهي، يسقط فيها الأبرياء دون ذنب سوى أنهم وجدوا أنفسهم بين مطرقة الميليشيات وسندان الاحتلال. المعركة الجارية ليست معركة عقيدة أو مقاومة، كما يحاول البعض تبريرها، بل هي معركة سلطة ونفوذ، عنوانها الدم ومضمونها الخوف.
وسواء رفعت الراية شعار “المقاومة” أو “الجهاد”، فإن النتيجة واحدة: دماء الأبرياء تراق باسم الدين والسياسة، والضحايا في النهاية هم الشعوب البسيطة التي لا ذنب لها إلا أنها وُلدت في أرض تمزقها الشعارات الزائفة. لقد قتل هؤلاء – بشكل مباشر أو غير مباشر – أبناء مصر من الجيش والشرطة والمدنيين، وشاركوا في تصدير فكر التطرف الذي حاول ضرب الدولة المصرية في قلبها.
إن ما يحدث في غزة اليوم يذكّر الجميع بأن التطرف لا وطن له، وأن من يحمل السلاح خارج القانون لا يمكن أن يكون مناضلًا أو مقاومًا، بل قاتلًا مهما كانت الشعارات التي يرفعها. والدم كله حرام، لا تبرره راية ولا يغسله شعار. فحين تُراق الدماء باسم الدين، لا يبقى دين ولا وطن، بل تبقى مأساة إنسانية يكرّرها التاريخ في وجوه مختلفة، وأسماء متعددة، وجراح لا تندمل