الليلة جنازة شهيد الحقيقة صالح الجعفراوي الذي نقل معناة غزة بسبب حماس بمسجد القوات المسلحة في القاهرة

مع بداية العدوان الإسرائيلي على غزة قبل عامين، وبين أصوات القصف وصراخ الأطفال تحت الركام، ظهر وجهٌ مألوف يحمل كاميرا صغيرة وابتسامة كبيرة، ليصبح بعد وقت قصير أحد رموز الحقيقة في زمنٍ ضاعت فيه الحقائق. إنّه الصحفي صالح الجعفراوي، الذي برز اسمه وسط مئات الصحفيين والمصورين الفلسطينيين الذين تحدّوا الخطر ليكونوا شهودًا على معاناة وطنهم، لكنه تفرّد عن الجميع بقدرته على لمس القلوب قبل العيون. كان الجعفراوي لا يكتفي بتصوير الدمار، بل يروي من خلال عدسته حكاية الإنسان الفلسطيني الذي ينهض كل صباح ليقاوم الحياة بالحياة نفسها.
وبفضل أمانته في توثيق الأحداث، وابتسامته الدائمة رغم قسوة الظروف، صار صالح وجهًا مألوفًا ومحبوبًا في كل بيت عربي يتابع أخبار غزة. كان يبث تقاريره بروحٍ صافية، فيها الصدق والبساطة، حتى أصبح صوته يعبّر عن الضمير الجمعي لكل من لا يملك سوى الكلمة والصورة لمواجهة آلة الحرب. لم يكن مجرّد مراسلٍ ميداني، بل كان سفيرًا للوجع الفلسطيني، يقدّم للعالم رواية الصمود بلغة العيون والدموع والابتسامات الخجولة خلف الكاميرا.
وفي لحظةٍ موجعة، وقبل ساعاتٍ من انطلاق قمة شرم الشيخ للسلام التي انعقدت لإعلان إنهاء الحرب في غزة، رحل صالح الجعفراوي مساء الأحد الماضي، وهو يؤدي واجبه المهني في تغطية الأحداث الميدانية في حي الصبرة بمدينة غزة. سقط برصاص الغدر، لكن صورته بقيت واقفة، وابتسامته لم تغادر الذاكرة. لم يكن خبر استشهاده مجرد نبأ عابر في نشرات الأخبار، بل كان وجعًا جماعيًا امتدّ من شوارع غزة إلى العواصم العربية، فقد رحل أحد الذين جعلوا العالم يرى غزة كما هي، لا كما يريد المحتل أن تبدو.
تحوّل الجعفراوي خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أبرز الأصوات التي نقلت للعالم مأساة غزة بلغة الصورة والصدق. كان يوثّق لحظة بلحظة تفاصيل الحياة في المستشفيات والملاجئ والمخيمات، يصوّر الأمهات وهن يودّعن أبناءهن، وينقل صوت الطفل اليتيم وهو يبحث عن والده تحت الركام. ومع كل تقرير، كان يزرع في المتابعين شعورًا بالمسؤولية تجاه ما يجري هناك. حتى لحظة استشهاده، لم يتخلَّ عن كاميرته، وكأنها كانت سلاحه الأخير في معركة البقاء.
وبعد تشييع جثمانه في غزة، غمر الحزن المدينة بأكملها. خرج الآلاف لتوديعه في مشهد مهيب، ارتفعت فيه الأعلام الفلسطينية واختلطت الهتافات بالدموع. وفي ذات الوقت، أعلن شقيقه علي عامر الجعفراوي عن إقامة عزاء آخر لشقيقه الشهيد في جمهورية مصر العربية، عبر منشور على صفحته الشخصية على “فيس بوك”، كتب فيه:
«الأخوة الأحباب في جمهورية مصر العربية، سيُقام مجلس عزاء لأخي الشهيد صالح عامر الجعفراوي في مسجد القوات المسلحة، قاعة الفردوس مقابل مول سيتي ستارز، يوم الأربعاء 15 أكتوبر 2025، من الساعة السابعة مساءً وحتى العاشرة مساءً للرجال وللنساء، والحمد لله رب العالمين».
لم يكن هذا القرار صدفة، فالعزاء في مصر كان تعبيرًا عن حبٍّ خاص حمله صالح لهذا البلد. فقد صرّح في أحد اللقاءات حين سُئل عن أكثر الدول العربية التي يحبها قائلاً بكل عفوية: «مصر دولتنا الشقيقة، والجزائر، والمغرب»، ثم أضاف مبتسمًا: «لكن مصر الأقرب إلى القلب». كان يرى فيها حضنًا للعرب، وبلدًا وقف دومًا مع فلسطين في أصعب اللحظات.
وفي غزة، أُقيم أيضًا مجلس عزاء للشهيد، كتب عنه شقيقه «علي»:
«نستقبلكم في بيت عرس أخي الشهيد الصحفي صالح عامر الجعفراوي، وأخي الأسير المحرر الشيخ ناجي عامر الجعفراوي (أبوعامر) في منزل الوالد جنوب رمزون دير البلح، لمدة ثلاثة أيام اعتبارًا من عصر الثلاثاء 14 أكتوبر 2025».
كلماته لم تكن عزاءً بقدر ما كانت احتفاءً بحياةٍ عاشها صالح من أجل الآخرين، حياة امتلأت بالعطاء والكرامة حتى لحظته الأخيرة.
وُلد صالح عامر الجعفراوي عام 1998 في قطاع غزة، في بيئةٍ بسيطة علّمته معنى الصبر والمقاومة. لم يدرس الإعلام دراسة أكاديمية، لكن الميدان كان مدرسته، والكاميرا كانت معلمه الأول. بدأ رحلته مع العدسة أثناء اندلاع العدوان، حين قرر أن يصوّر ما يراه العالم مجرد أرقام في نشرات الأخبار. لم يكن يبحث عن شهرة، بل عن إنصاف لوجع الناس، فكانت عدسته شاهدة على المآسي والبطولات.
انتشرت مقاطعه على منصات التواصل الاجتماعي، حتى تجاوز عدد متابعيه ثلاثة ملايين شخص على إنستغرام، إلى جانب متابعين كُثر على “إكس” و”يوتيوب”، فأصبحت مقاطعه اليومية مصدرًا رئيسيًا لفهم الواقع اليومي في غزة. كان يتحدث بلغةٍ قريبة من القلب، بلا تكلف ولا شعارات، وهو ما جعله يحظى بثقة الناس وحبّهم.
رحل صالح الجعفراوي، لكنه ترك وراءه إرثًا من الضوء، وذاكرةً من الصدق ستبقى تتوارثها الأجيال. صوره ستظل تنطق بما عجزت عنه الكلمات، وابتسامته ستبقى تذكّرنا أن وراء كل عدسة فلسطينية قلبًا لا يعرف الهزيمة.
لقد عاش الجعفراوي صحفيًّا حقيقيًّا، واستُشهد بكرامة المهنة التي أحبّها، فصار رمزًا للحقيقة في زمنٍ مضطرب، وصوتًا خالدًا لغزة لا يسكت.