لطفي لبيب يروي حكاية صديق الحرب الشيخ عبد الفتاح… عندما تصنع الخنادق صداقة لا تموت

في سيرة الفنان الكبير الراحل لطفي لبيب ضحكات لا تُنسى، وأدوار محفورة في الوجدان، لكن أعمق ما بقي في قلبه لم يكن مشهدًا على خشبة مسرح أو أمام كاميرا، بل حكاية إنسانية وُلدت وسط الدخان، وتعمّدت بالنار، ونمت في خندق حرب لا يعرف إلا معنى الوطن.

كان يتحدث عن الشيخ عبد الفتاح صقر بصوت يخفت فجأة، وكأن الكلمات تخشى أن تُفسد قدسية الذكرى. لم يكن صديقًا عابرًا، بل أخًا تشارك معه الخوف والجوع والبرد، وسلاحًا واحدًا وعدوًا واحدًا. في الجيش، حيث تسقط كل المسميات، لم يكن هناك مسلم أو مسيحي، بل جندي يقف ليحمي أرضه، وقلب يتكئ على قلب آخر كي يصمد.

في يوم 7 يناير، عيده الذي مرّ عليه وهو محاصر في قلب الحرب، جاءه الشيخ عبد الفتاح يحمل نصف جركن مياه. ابتسامة هادئة، وكلمة بسيطة خرجت من القلب: «دي العيدية بتاعتك… استحمّى». كانت هدية صغيرة في حجمها، عظيمة في معناها، كأنها تقول له: أنت لست وحدك، حتى في هذا الجحيم.

كانا يسخّنان المياه معًا، يجمعان تنكات سيارات محطمة، يشعلان تحتها الكاوتش، ويقفان جنبًا إلى جنب بلا أسئلة ولا فواصل. لم يكن أحد يعرف ديانة لطفي لبيب، ولم يكن ذلك مهمًا. قالها لاحقًا بصدق موجع: «محدش عرف إني مسيحي غير بعد عشر سنين». لأن ما كان يجمعهم أقوى من أي تعريف.

ضحكة خفيفة شقّت قسوة الحرب يوم سأله أحدهم: «إنت ما بتصليش ليه؟» قال بهدوء: «عندي عذر». سُئل: «عذر إيه؟» فأجاب: «أنا مسيحي». ضحكوا، ومضت اللحظة، وبقي الود.

وجاء الوداع قاسيًا. قبل رحيله بأيام، كان لا يزال على تواصل مع صديقه، ثم جاءه الخبر ثقيلًا على القلب. حزن لطفي لبيب عليه حزنًا لا يهدأ، كيف لا، والشيخ عبد الفتاح كان هو من يودّع الشهداء بالصلاة في زمن كانت الأرواح تُقدَّم فيه فداءً للوطن. رحل الصديق، لكن الذكرى ظلت حيّة، تؤلم وتُدفئ في آنٍ واحد.

لطفي لبيب لم يتغنَّ بالوطنية، بل عاشها. وحين عُرض عليه تكريم من جهة إسرائيلية بعد فيلم «السفارة في العمارة»، رفض بهدوء الجندي القديم: «مينفعش… دول ناس كنت بحاربهم». جملة قصيرة، لكنها تحمل تاريخًا كاملًا من المواقف.

وُلد عام 1947، درس الأدب، ثم الفن، وتأخر حلمه ست سنوات بسبب الخدمة العسكرية التي شارك خلالها في حرب أكتوبر. حوّل التجربة لاحقًا إلى شهادة فنية صادقة في «الكتيبة 26». أكثر من مئة فيلم، وعشرات الأعمال الدرامية، لكن الدور الأصدق الذي أدّاه كان دور الإنسان.

رحل لطفي لبيب بعد رحلة علاج شاقة، يوم الأربعاء 30 يوليو 2025، وترك خلفه فنًا نظيفًا، وذكريات تبتسم وهي تبكي. ترك درسًا بسيطًا وعميقًا: الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل برجال وقفوا يومًا في خندق واحد، وقلب واحد، وحلم واحد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى