صموئيل العشاي يكتب : دائرتي ليست للبيع

أولًا وقبل كل شيء، أقولها بوضوح لا يقبل التأويل ولا المساومة: دائرتي ليست للبيع، وكرامة الناس لا تُقايَض، وصوت المواطن ليس سلعة تُشترى ولا ورقة تُباع. أنا لا أحتاج إلى خدمات من أيٍّ من السادة النواب، بل أستطيع – وبكل صدق وتجربة – أن أقدم خدمات لهم إن لزم الأمر. لكن ما صدمني حد الوجع، وأثار غضبي قبل حزني، هو ما رأيته من مشاهد مُهينة على صفحات التواصل الاجتماعي؛ معارك قذرة يقودها أنصار “عواجيز الفرح”، يشعلون النيران في البيوت، ويفتحون أبواب الفتنة، من أجل حفنة أموال تافهة، ويُقصون شبابًا نعرفهم بالاسم والتاريخ والسيرة، مقابل كرتونة بطاطس أو بضع مئات من الجنيهات.
أي انحدار هذا؟ وأي إسفاف بلغناه حين تصبح السياسة سوقًا، والضمائر بضاعة، والمستقبل مرهونًا بورقة نقدية؟
دعوني أبدأ بحمادة شاكر، أو محمد جمال شاكر. لا أتحدث عن اسم في ورقة أو صورة على لافتة، بل عن إنسان. إنسان نقي، بسيط إلى حد الطهارة، عرفته منذ انتخابات عام 2005، حين كنت في بدايات عملي الصحفي وأجريت حوارًا مع المرحوم النائب أحمد شاكر، رحمه الله. جلست يومها إلى جوار حمادة – كما كنا نناديه – فوجدت شابًا خلوقًا، مهذبًا، غاية في الأدب والاحترام. لم يكن متعاليًا، ولم يكن متسلقًا، ولم يحمل يومًا عقلية “الوريث السياسي”. قلت له مازحًا: “هتترشح بعد عمك”، فضحك ضحكته الصافية وقال: “أنا آخر واحد في العيلة”. كانت ضحكة بلا حسابات، بلا طموح مرضي، تشبه قلبه تمامًا.
ثم نأتي إلى الدكتور أحمد أيمن، وهنا أتوقف طويلًا، لأن الحكاية تستحق. بعد تخرجه، أخبرني عمه ووالده بتقدمه للالتحاق بأكاديمية الشرطة. تواصلت وقتها مع الدكتور مصطفى الفقي، سكرتير الرئيس للمعلومات – أطال الله في عمره – فابتسم وقال جملته التي لا تُنسى:
“مسيحي يتوسط لمسلم… عاش الهلال مع الصليب”،
ثم أضاف بكل شهامة: “أنا هخدمه علشان خاطرك”.
وبعدها ضحك قائلًا: “عارف يا صموئيل، لو عمر سليمان كمل وبقى رئيس، كان لك شأن آخر”.
جملة ظل يرددها حتى اليوم، لأنني كنت من أوائل من رشحوا اللواء عمر سليمان لرئاسة الجمهورية، لكن للأقدار دائمًا رأي آخر، لا يعترف بالأمنيات ولا بالنوايا.
أرسل الدكتور مصطفى الفقي خطاب تزكية رسمي من مكتبه، وتحدث بنفسه مع وزير الداخلية، الذي وعد بقبول أحمد. ثم تواصلتُ مع وكيلين في جهاز المخابرات العامة لبدء إجراءات الترشيح، وجاء الوعد ذاته. كل الأبواب بدت مفتوحة، وكل المؤشرات كانت مطمئنة. لكن، وقبل إعلان الكشوف النهائية، دخل وزيران على وزير الداخلية لتزكية شخصين آخرين. وحين ظهرت النتيجة، اتصل بي الدكتور الفقي بنفسه، وحكى لي ما جرى، موضحًا أن عدد المقبولين من بعض التخصصات محدود للغاية، وأن الحسابات في اللحظات الأخيرة لا تكون دائمًا عادلة.
وقتها، اخترت الصمت. لم أذكر التفاصيل لأسرته، حتى لا أضيف جرحًا إلى جرح، ولا أحمّلهم خيبة أكبر من طاقتهم. لكنني أذكرها اليوم، لأنني رأيت مشهدًا أكثر إيلامًا: صغارًا وأطفالًا في السياسة، بلا تاريخ ولا أخلاق، يطلقون الاتهامات جزافًا، ويفتحون أبواب الأكاذيب على مصراعيها. مرة يقولون “إخوان”، ومرة “تاجر آثار”، ومرة يخرج علينا من يقول “بيطلع نار”! هراء فج، وسقوط أخلاقي كامل، من أناس لا يعرفون أن هذا الشاب خضع لتحريات دقيقة من جهات عدة، وأن صفحته بيضاء ناصعة، لا تشوبها شبهة ولا يلوثها ادعاء.
أقسم بالله، لولا موقف الوزيرين في تلك اللحظة، لكان الدكتور أحمد اليوم برتبة نقيب طبيب. وأقولها بملء الفم: هذا الشاب لم يكن وحده يومًا، بل وقف خلفه رجال دولة حقيقيون، وقامات وطنية رفيعة، دعموه لأنهم رأوا فيه مستقبلًا، لا لأنه صاحب مال أو صاحب ضجيج.
وهنا أصل إلى جوهر الحكاية، إلى لب الأزمة، إلى العار الحقيقي: بيع الكراسي.
بيع الصوت، وشراء الذمم، وتحويل الانتخابات من أمل إلى صفقة.
وأقولها لكم من القلب، لا من فوق منبر ولا من خلف شاشة: استرجلوا.
استرجلوا واختاروا الإنسان قبل المائتي جنيه.
استرجلوا واختاروا الكرامة قبل الكرتونة.
استرجلوا واختاروا الأمل قبل الخوف.
اختاروا نائبًا يشبهكم، يحس بكم، يخدمكم بضمير، لا بتسعيرة.
أما أنا، وكما قلت منذ البداية، فلا أحتاج إلى خدمة من هذا أو ذاك، ولم أكتب يومًا لأحجز مقعدًا أو أطلب مصلحة. ومن يحتاج خدمة، فبيتي وقلبي مفتوحان، لأن الخدمة الحقيقية لا تُعلن في لافتة، ولا تُباع في موسم انتخابات.
صوتي للشباب…
صوتي للأمل…
صوتي للمستقبل، لا لتجار الكراسي.
صموئيل العشاي عضو نقابة الصحفيين
رئيس تحرير جريدة ابو الهول
الامين العام لحركة الدفاع عن الأزهر والكنيسة