فوزى عبد المسيح يكتب : عيد الختان

في صباحٍ هادئ، كانت الكنيسة تغتسل بنور الشمس الذي يتسلّل عبر النوافذ الملوّنة. الأطفال يبتسمون، والشموع تلمع، والترانيم ترتفع كطيور صغيرة تحلّق في السماء. كان اليوم عيدًا من تلك الأعياد التي لا تُكتب فقط في التقويم، بل تُكتب في القلب… عيد الختان.

جلست امرأة مسنّة في الصف الأخير، وإلى جوارها طفل صغير يضحك دون سبب واضح. نظرت إليه وقالت في نفسها: كم هو جميل هذا العيد! عيد صغير في اسمه، لكنه كبير في معناه. اليوم نتذكر المسيح الطفل… ذاك الذي حمل الفرح إلى العالم كله.

في هذا اليوم، نستعيد قصة قديمة بدأت مع إبراهيم، عندما أعطاه الله علامة عهدٍ مملوءة محبة. لم يكن العهد كلامًا ثقيلًا أو تهديدًا، بل كان همسة حب من السماء: “أنتم شعبي، وأنتم لي”. لم يفرّق الله بين غني وفقير، ولا بين سيد وعبد، الجميع تحت نفس العهد، والجميع في قلبه.

وتخيلت المرأة المشهد: طفلٌ صغير، ابن ثمانية أيام، يُختتن حسب الشريعة. كان يمكن للمسيح أن لا يفعل، فهو ابن الله الأزلي، لكنه اختار أن يسير معنا خطوة بخطوة، أن يعيش ما نعيشه، وأن يفرح بفرحنا. كأنه يقول لكل إنسان: “لن أكون بعيدًا عنكم… سأكون واحدًا منكم”.

مرت السنوات في خيالها سريعًا. جاء العهد الجديد، وتحوّل الختان من علامة في الجسد إلى بهجة في القلب. لم يعد الأمر قطع غرلة، بل قطع الحزن والضعف والقيود من الداخل. صار ختان القلب بالروح: غسلًا للروح، ونقاوة للفكر، وابتسامة جديدة تولد في الداخل.

وتذكرت المعمودية. رأت بعيني قلبها طفلًا آخر يُحمل على الأذرع ويُغمس في الماء. لا دموع خوف، بل دموع فرح. كأن الماء يهمس له: “ستقوم مع المسيح… ستبدأ حياة جديدة”. أحست أن المعمودية هي الختان الجديد: لا ألم، بل نعمة؛ لا خوف، بل ميلاد من نور.

رفعت المرأة رأسها نحو الأيقونة التي يظهر فيها المسيح طفلًا بين يدي أمه. شعرت أن العيد ليس قصة بعيدة، بل حكاية شخصية تخص كل واحد منا. الختان صار رمزا لقلب جديد، لحياة تُغسل من الداخل، لعهدٍ لا يُكتب بالحبر بل بالحب.

رنّ صوت الأجراس، وابتسم الطفل من جديد. همست المرأة:
ما أجمل هذا العيد! ليس عيد طقس فقط، بل عيد قلب سعيد… عيد عهد لا ينكسر، ومحبّة لا تزول، وفرح وُلد في اليوم الثامن وما زال يكبر فينا حتى اليوم

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى