Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

صالح رجب.. متعة السرد التي لا تنضب

في زمنٍ باتت فيه الكلمات تُلقى عابرةً كحبات المطر السريعة، يقف صالح رجب كراوٍ يُعيد للسرد مجده القديم. إنه لا يروي القصة فحسب، بل يُعيشها معك، يُدخلك في نسيجها، يُبطئ الزمن عمدًا حتى تتذوّق كل تفصيلة، وتستمتع بكل منعطفٍ من منعطفات الحكاية.
متعة صالح رجب في السرد تكمن في تلك القدرة النادرة على تحويل الحدث التاريخي العابر إلى لوحةٍ حيّة نابضة، يرسمها بقلمٍ يجمع بين الدقة الصحفية والخيال الشعبي المصري الأصيل. لا يُلخص ولا يُختصر، بل يأخذ بيدك إلى قلب الحدث؛ يُريك نظرة عينٍ في لحظة مصيرية، يُسمعك همسةً في غرفة قرار، يُشعرك بحرارة الجو أو برودة الخوف أو خفقان القلوب في تلك الدقائق التي غيّرت مجرى التاريخ.
إنه يمتلك موهبة إيقاعية خاصة؛ يبدأ بهدوءٍ يُشبه تمهيد الموسيقى، ثم يُصعد الإيقاع تدريجيًا، يُدخل تفاصيل جانبية تبدو صغيرة لكنها تُضيء المشهد كله، ثم يُفاجئك بمعلومةٍ أو ملاحظةٍ تجعلك تُعيد ترتيب كل ما سمعته من قبل. وفي كل ذلك يبقى الصوت هادئًا، واثقًا، مُتأنيًا، كأنه يقول لك: “لا تتعجل، فالجمال في التفاصيل، والحقيقة تُقال ببطء”.
متعته لا تنحصر في كم المعلومات التي يملكها فحسب – وهي كثيرة ودقيقة – بل في الشغف الذي ينفثه في كل جملة، والسخرية الخفيفة المصرية التي يُمزجها أحيانًا بالحسرة، والقدرة على جعلك تشعر أنك لست مستمعًا فحسب، بل شاهدًا على الأحداث، أو ربما شريكًا في اكتشافها.
حين يروي صالح رجب، يُعيد لنا الإيمان بأن السرد فنٌّ بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة لنقل المعلومة. إنه يُذكّرنا بأن هناك فرقًا شاسعًا بين “أن تعرف” وبين “أن تعيش الحكاية”. وهو يختار الثانية دائمًا، فيُمتعنا، ويُثرينا، ويجعلنا نترقب الساعة التالية من حكايته بشوقٍ لا ينقضي.
فشكرًا لك يا صالح، على هذه المتعة النادرة التي تمنحها لمن يستمع، وعلى إعادة اكتشاف جمال الكلام الطويل الجميل، الذي يأخذ وقته، ويُعطي وقته لنا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى