صموئيل العشاي يكتب : خيرية شعلان.. شيخة شيوخ المهنة

في زمن تتغير فيه المعايير وتتبدل الأدوار بسرعة مذهلة، تظل هناك شخصيات ترفض الانصياع لمنطق الزوال، وتفرض حضورها كرمز لا يُمحى. خيرية شعلان واحدة من تلك الشخصيات النادرة التي تجمع بين قامة صحفية شامخة، ونقابية صلبة، وإنسانية عميقة لا تُنسى.
قبل أيام قليلة، احتفت نقابة الصحفيين المصريين بخيرية شعلان ضمن شيوخ المهنة، وهو تكريم يستحقه كل من أمضى عقوداً في خدمة الكلمة والمهنة. لكنني أقول – وبكل اقتناع – إن خيرية ليست مجرد “شيخة مهنة”، بل هي شيخة شيوخ المهنة؛ صوتٌ لا يُعلى عليه في دوائر الصحافة المصرية، ورمزٌ يمتد تأثيره إلى أبعد من حدود الوطن، ليصبح صوتاً مؤثراً في الفضاء الصحفي العربي ككل.
ما يميز خيرية شعلان ليس فقط مسيرتها المهنية الطويلة والحافلة، ولا مواقفها النقابية الجريئة دفاعاً عن حرية الصحافة وحقوق الزملاء، بل تلك الإضافة الإنسانية النبيلة التي جعلتها رمزاً مختلفاً في السنوات الأخيرة.
إنها الحبيبة الوفية التي اختارت أن تُكمل مسيرة الحياة والوفاء إلى جانب رجائي الميرغني، ذلك الرجل الذي كان – ولازال في وجدان الكثيرين – أحد أعمدة الصحافة المصرية والنقابة، والذي دافع ببسالة عن قدسية المهنة في أوقات عصيبة كانت فيها الجبهة الداخلية بحاجة ماسة إلى صوت يحميها ويصونها.
خيرية لم تكتفِ بأن تكون شريكة حياة رجائي، بل اختارت أن تكون صوته الممتد، وذاكرته الحية، وحاضنه الذي يرفض أن يترك الزمن يطوي صفحة هذا الرمز النقابي والصحفي الكبير. في كل مرة تنطق فيها خيرية باسم رجائي، أو تدافع عن إرثه، أو تروي قصة من قصصه، لا تتحدث عن ماضٍ فحسب، بل تعيد إحياء قيم كادت تندثر: الوفاء، الكرامة، الإخلاص للمهنة وللإنسان.
شيخة شيوخ المهنة ليست مجرد لقب تشريفي، إنها وصف دقيق لامرأة رفضت أن تُختزل في خانة “أرملة صحفي كبير”، وآثرت أن تظل صانعة للحدث، وصوتاً قوياً في زمن كثرت فيه الأصوات الخافتة.
خيرية شعلان اليوم ليست فقط تاريخاً حياً للصحافة المصرية، بل هي أيضاً درسٌ حي في كيف يمكن للحب والوفاء أن يتحولا إلى قوة إضافية، إلى سلاح معنوي يُقاتل به الإنسان الزمن والنسيان.
في عصر الزوال السريع للرموز، تثبت خيرية شعلان أن هناك من يصنعون رمزيتهم مرتين: مرة بالعمل والنضال، ومرة ثانية بالوفاء والصمود والتمسك بقيمة الإنسان مهما علت الأثمان.
شيخة شيوخ المهنة.. لقبٌ صغير على كاهل امرأة كبيرة، لكنها تحمله بجدارة واستحقاق.
تقديراً وإجلالاً ومحبة.