شارل فؤاد المصري يكتب: عبد العزيز مخيون.. مدرسة السهل الممتنع

أمرٌ صعب أن تكتب عن فنان في قيمة وقامة الأستاذ الفنان الكبير والقدير عبد العزيز مخيون.

هو صديق عزيز عرفته منذ سنوات طويلة، ولم يتخلّف يومًا طوال هذه السنوات عن تهنئتي بالعيد.

كلمات معايداته مملوءة حبًا ووطنية وصدقًا حتى النخاع.

هو أحد القامات الفنية التي نجحت في حفر اسمها بمدادٍ من نور في ذاكرة الفن المصري والعربي.

الأستاذ عبد العزيز مخيون ليس مجرد ممثل يؤدي دورًا وينتهي، بل هو «مثقف مشتبك» وصاحب رؤية فنية وإنسانية جعلته يترفع عن السطحية، ويغوص في أعماق الشخصية المصرية بكل تعقيداتها.

بدأت رحلة مخيون من قلب المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث صقل موهبته بالدراسة الأكاديمية، قبل أن ينطلق في رحاب المسرح والسينما والتلفزيون.

يتميز أداؤه بما يُعرف بـ«السهل الممتنع»، فهو لا يحتاج إلى الصراخ أو الانفعال المبالغ فيه لإيصال الرسالة، بل يعتمد على «لغة العيون» والثبات الانفعالي، حتى إن عضلات وجهه تتكلم.

في السينما، له بصمات خالدة في أفلام مثل «الهروب» مع الراحل أحمد زكي، الذي جسّد فيه دور الضابط الصعيدي بكل مفردات الشخصية، حركةً ونطقًا للهجة، وحتى الحديث مع الخالة الفنانة الكبيرة زوزو نبيل، كما لو كنتُ أنا من يتحدث، باعتبار أنني من محافظة قنا.

وامتدت بصماته إلى أفلام «الفرح» و«دم الغزال».

وفي التلفزيون، هو «المعلّم» في مسلسلات السِّير الذاتية، حيث أبدع في تجسيد شخصية الموسيقار محمد عبد الوهاب في أكثر من عمل، مثل مسلسل «أم كلثوم»، لدرجة التماهي التام مع الشخصية.

كما تألق في «ليالي الحلمية» و«الجماعة»، ومؤخرًا في «جزيرة غمّام» و«سوق الكانتو».

الأستاذ عبد العزيز مخيون ريفيٌّ مثقف ومناضل، وهو بحق هرمٌ من أهرامات التمثيل المصري والعربي.

يمتلك الأستاذ عبد العزيز مخيون شخصية رصينة تتسم بالتواضع الشديد والارتباط بالجذور؛ فهو ابن محافظة البحيرة، ولم ينسَ يومًا طين الأرض التي خرج منها، مما انعكس على مواقفه الوطنية والسياسية.

معروف بمواقفه الجريئة وانخراطه في العمل العام، مؤمنًا بأن الفنان لا ينفصل عن قضايا مجتمعه.

ويختار أعماله بعناية فائقة، مفضّلًا القيمة الفنية على البريق المادي، مما منحه احترامًا خاصًا من الجمهور والنقاد على حدٍّ سواء.

أما لغته العربية، التي أطرب عندما أسمعه يتحدث بها، فيمكن اختصارها في جملة: الفصاحة أداة الإبداع.

يمتلك مخيون علاقة فريدة مع اللغة العربية، وهو من القلائل الذين يطوّعون «الفصحى» لتخرج من ألسنتهم بسلاسة تقترب من عفوية «العامية».

اللغة عند مخيون ليست مجرد كلمات، بل هي وعاء للفكر؛ لذا نجد مخارج حروفه سليمة تمامًا، وقدرته على الإلقاء تجعل من المشهد الدرامي قصيدةً مُغنّاة.

هذه البراعة اللغوية هي ما جعلته الخيار الأول للمخرجين في المسلسلات التاريخية والدينية، حيث يمنح النص هيبة ووقارًا يفتقده الكثيرون.

له هوايات متعددة، مثل الموسيقى والزراعة.

وبعيدًا عن أضواء البلاتوهات، يعيش مخيون حياة تتسم بالبساطة والعمق؛ فهو يعشق الموسيقى الكلاسيكية والشرقية الأصيلة، وله أذن موسيقية مكّنته من محاكاة حركة يد وروح موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.

ويجد مخيون راحته في قريته، حيث يمارس الزراعة ويستمتع بالطبيعة، معتبرًا أن الأرض هي المصدر الأساسي للحكمة والصفاء الذهني.

عبد العزيز مخيون هو الأستاذ النموذج للفنان «المؤسسة»، الذي يجمع بين الموهبة الفطرية، والثقافة الواسعة، والالتزام الأخلاقي، ليظل علامة فارقة في تاريخ الفن المصري المعاصر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى