فوزي جندي يكتب: الحياة لكل من لها حياة: تأملات في الوجود الإنساني

الحياة، بكل تعقيدها وجمالها وألمها، هي لكل من يمتلكها. تبدأ حياة الإنسان بالميلاد، وتستمر حتى الموت، لكنها ليست دائمًا محدودة بهذا الإطار الزمني. فهناك من يمتد أثره بعد موته، فتظل أفعاله وأقواله وإرثه حاضرة بين الناس، وتستمر حياته بطريقة ما في تغيير العالم من حوله. بينما هناك من يعيش حياته مرورًا عابرًا، كأن الأيام تمر من أمامه بلا معنى، ولا يترك لنفسه أثرًا، ولا يعي قيمة كل لحظة يمر بها.
الإنسان يعيش حياته بأشكال متعددة، وألوان مختلفة من التجربة. فهناك من يعيش حياة مستهترة، كلها لعب ولهو وسهر، ينغمس في الملذات العابرة، فتغدو نهايته مجرد توقف لحياة لم تُعش بعمق أو ووعي. في المقابل، هناك من يعيش حياته بجدية، يبذل جهده ويكافح، يسعى للنجاح ويحقق أهدافه، فيجني ثمرة اجتهاده، ويترك أثرًا حقيقيًا في حياته وحياة من حوله.
الحياة ليست مجرد تمرير الأيام، فبعض الناس يضيعونها في صداقات سطحية أو مجاملات الآخرين، يرضون لنفسهم أن يعيشوا حياة غيرهم، فلا يعيشون لأنفسهم، وتضيع أوقاتهم في أمور لا تنفع، بينما آخرون يكرسون حياتهم للعلم والمعرفة، يزرعون حبات الحكمة، فتثمر حياتهم فهمًا وبصيرة، ويصبح لهم أثر طويل الأمد في مجتمعاتهم.
هناك من يعيش حياته كالليل، مظلمًا وكئيبًا، تمر أيامه في صمت وعتمة، بينما هناك من جعل نهاره حياة مضيئة، يمتلئ نشاطه وعمله وروحه بالحيوية والوضوح. وهناك من يعيش في دوامة المشاكل، ضيق الفكر والهموم، فتغدو الحياة كلها سلسلة من العقبات التي تبتلع الوقت، وتصبح المشاكل نفسها جزءًا من شخصيته وكيانه.
لكن بالمقابل، هناك من يكرس حياته للخير ومساعدة الآخرين، فينثر العطاء ويزرع الأمل، فتكون حياته مليئة بالرضا الداخلي والسلام النفسي، وتنتهي حياته بسمعة طيبة وأثر حسن. بعض الناس يكرسون حياتهم للمسؤولية، فتغدو كل أوقاتهم مليئة بالواجبات والتحديات، لكنها حياة مشرفة، حياة تتحمل فيها مسؤولية نفسك ومحيطك، وتترك أثرًا ملموسًا لمن حولك.
الحياة لكل منا، والإنسان وحده من يقرر كيف يعيشها. لكن التساؤل الحقيقي هو: أي حياة نريد أن نعيش؟ وكيف نعبر عن حياتنا في هذه الأيام؟ هناك من يعيش في الخيال والأحلام، فيضيع وقته في وهم لا حقيقة له، فتذهب حياته كحلم لم يترك أثرًا. وهناك من يعيش حياته في الرومانسية والخيال، وعندما يصطدم بالواقع يجد نفسه أمام اختلاف صارخ بين توقعاته وحياته الفعلية، فتضيع حياته بين حلمه وواقعه.
البعض يضيع حياته في البحث عن أمور غير واقعية، كالسفر إلى أماكن لا يقدر على الوصول إليها، أو حب من طرف واحد لا يمكن أن يتحقق، فتستمر الأيام دون جدوى. وهناك من يعيش حياة الآخرين، يقلدهم وينسخ تجاربهم، غافلًا أن لكل إنسان حياة فريدة، وهبها الله له وحده، فلا يمكن للنسخ أن يعيش حياة الأصل. البعض يحلم بحياة الآخرين دون أن يعرف كيف وصلوا إليها، أو يعيش في ذكريات الماضي، فتسيطر عليه فتفقده حاضره ومستقبله، وتصبح نهايته استمرارًا لذلك الماضي الذي عاشه ولم يعيشه بوعي.
الحياة في جوهرها هي حياتك أنت، لا حياة غيرك. ستواجه الألم والفرح، القوة والضعف، الظلم والتعب، الحاجة والمرض، وكلها جزء من التجربة الإنسانية. الإنسان الحكيم هو من يتعلم كيف يعيش حياته من خلال ما يمر به، يأخذ الحكمة والخبرة، ويعرف كيف يقود نفسه في الحاضر، لأن الوقت الذي مضى لا يعود، وكل لحظة تمضي لن تتكرر.
حياتنا ليست مجرد أيام تمر، بل هي ساعات وأوقات نكتبها بأيدينا. يمكننا أن نصنعها، نلونها بأفعالنا واختياراتنا، أو نتركها تمحونا، فتصبح كما لو لم تكن. الحياة ليست لمن نعيش لأجلهم، بل هي لنا نحن، نسعى لكي تكون لنا حياة وسط الحياة، حياة حقيقية نفهمها، نعيشها، ونترك أثرها بعدنا.
الحياة إذن هي مسؤولية وحرية في آن واحد. كل يوم جديد هو فرصة لإعادة كتابة حياتك، لتجعلها تجربة فريدة، مليئة بالمعنى، مليئة بالعلم، بالعطاء، بالحب، بالعمل الجاد، أو بالخيال الواقعي الذي يصنع فرحًا حقيقيًا. فالإنسان وحده من يقرر كيف يعيش حياته، وما يتركه بعد رحيله، وكيف يوازن بين أحلامه وواقعه، بين الماضي والحاضر، بين ذاته والآخرين. إن الحياة، بكل تحدياتها وأفراحها، هي كتاب مفتوح، ونحن من نكتب فصوله، ولن تتكرر هذه اللحظات التي نعيشها اليوم، فلنجعل كل يوم فيها جديرًا بأن يُعاش.