متى نستفيد من بطرس غالي؟

ومتى نحسن استثمار عبقرياتنا؟

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تحتاج الدول إلى حلول شعبوية أو أفكار صادمة بلا سند علمي، بقدر ما تحتاج إلى العقل الخبير، والرؤية المتراكمة، والخبرة التي صاغتها التجارب الدولية.

ومن هنا يفرض اسم الدكتور يوسف بطرس غالي نفسه كلما دار الحديث عن الاقتصاد المصري وإدارة الديون والإصلاح المالي.

الرجل ليس مجرد وزير مالية سابق، بل خبير اقتصادي عالمي، شارك في إدارة ملفات مالية دولية معقدة، ويملك من التجربة ما يجعله قادرًا على التمييز بين الحل الواقعي والطرح الوهمي.

مؤخرًا، خرج يوسف بطرس غالي في تصريحات تليفزيونية ليعلّق بوضوح وحسم على اقتراح طرح أصول الدولة مقابل تصفير الديون، وهو اقتراح أثار جدلًا واسعًا في الأوساط العامة.

قالها دون مواربة:

«هناك نحو 60 دولة في العالم تعاني من أزمات ديون مماثلة، ولم يخرج أحد بهذه الفكرة… الفكرة خطأ، بلا معنى، وغير قابلة للتنفيذ، وغير منطقية».

هذا التصريح لا يحمل رأيًا شخصيًا، بل حكمًا مهنيًا مبنيًا على معرفة بتجارب الدول، وآليات التمويل، وقواعد الاقتصاد الدولي.

فالدول لا تُدار بردود الفعل، ولا تُحل أزماتها بالمقامرة بأصولها الاستراتيجية، ولا تُخفف ديونها ببيع ما تبقى من قدرتها على الإنتاج والسيادة الاقتصادية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:

لماذا لا نُحسن الاستفادة من خبراتنا الوطنية؟

ولماذا لا يكون لأصحاب العقول الكبيرة مساحة حقيقية في النقاش العام وصناعة القرار؟

مصر لم تفتقر يومًا إلى الكفاءات، لكنها أحيانًا تعاني من تهميش الخبرة لصالح الضجيج، ومن تغليب الحل السريع على الحل الصحيح.

بينما الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها، فعلت ذلك حين استمعت لعلمائها، وخططت بعقل بارد، وقدّمت الإصلاح الحقيقي على المسكنات المؤقتة.

إن الاستفادة من يوسف بطرس غالي، ومن أمثاله من الخبراء، لا تعني العودة للماضي، بل تعني توظيف الخبرة المتراكمة لبناء مستقبل أكثر أمانًا.

فالاقتصاد لا يعترف بالشعارات، بل بالأرقام، ولا يحترم النوايا الحسنة بقدر ما يحترم الإدارة الرشيدة.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمامنا جميعًا:

متى نُدرك أن أعظم ثروة تمتلكها الأوطان ليست الأصول… بل العقول؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى