صموئيل العشاي يكتب : محاولات وأد السلام .. نتنياهو لا يستطيع منع إقامة الدولة الفلسطينيه

ليس من حق بنيامين نتنياهو، ولا أي مسؤول إسرائيلي آخر، أن يمنع الشعب الفلسطيني من حقه الأصيل في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. فهذا الحق ليس منحة من الاحتلال، ولا ورقة تفاوض قابلة للمساومة، بل هو حق ثابت أقرّته الشرعية الدولية، ونصّت عليه قرارات الأمم المتحدة، واعترفت به غالبية دول العالم.

إن الهدنة الحالية، التي جاءت بعد سنوات طويلة من الدم والدمار والمعاناة، كان من المفترض أن تمثل فرصة حقيقية لاستكمال المسار السياسي، وتهيئة الأجواء لإحياء حل الدولتين، باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة. غير أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جاءت لتشكّل ضربة قاسية لكل جهود السلام والتهدئة، وتكشف مجددًا عن العقلية التي لا ترى في السلام سوى تهديد لمشروعها القائم على القوة والهيمنة.

فقد أعلن نتنياهو، في مؤتمر صحافي، أن إسرائيل تركز على “نزع سلاح حماس” و”جعل غزة خالية من السلاح والأنفاق”، متعهدًا في الوقت نفسه بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة، ومؤكدًا أن إسرائيل ستفرض سيطرتها الأمنية “من نهر الأردن إلى البحر”. هذه التصريحات لا تحمل فقط رفضًا صريحًا للدولة الفلسطينية، بل تمثل نسفًا كاملًا لأي أفق سياسي، وإصرارًا على تكريس الاحتلال بصيغة أكثر فجاجة.

إن حديث نتنياهو عن السيطرة الأمنية من نهر الأردن إلى البحر يعني عمليًا إلغاء الوجود السياسي الفلسطيني، وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات معزولة تخضع لإرادة الاحتلال، في مخالفة صارخة لكل القوانين الدولية، وضرب مباشر لأسس حل الدولتين الذي طالما ادّعت الحكومات الإسرائيلية السابقة القبول به شكليًا.

الأخطر من ذلك، أن هذه المواقف تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث ينتظر المجتمع الدولي خطوات جادة لبناء الثقة، وفتح مسار سياسي حقيقي، لا مزيدًا من التصعيد اللفظي والسياسي. فبدلًا من استثمار الهدنة في التهدئة، يختار نتنياهو لغة الإملاء وفرض الأمر الواقع، وكأن مستقبل ملايين الفلسطينيين يُحدَّد بقرار أحادي من حكومة يمينية متطرفة.

إن السلام لا يُفرض بالقوة، ولا يُبنى على إنكار حقوق الشعوب. وأي محاولة لمنع قيام الدولة الفلسطينية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وعدم الاستقرار، وستظل المنطقة رهينة لدورات متتالية من العنف. فالدولة الفلسطينية ليست تهديدًا لأحد، بل هي شرط أساسي للأمن والاستقرار الحقيقيين.

ختامًا، يبقى الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة حقًا غير قابل للتصرف أو السقوط بالتقادم، مهما طال الاحتلال أو تعاقبت الحكومات الإسرائيلية. والتاريخ أثبت أن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا تُهزم، وأن السلام الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالحقوق، لا بإنكارها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى