ستيف بانون: قصف طهران جنون سياسي… وأمريكا أولًا أم حروب الآخرين؟

في تصريح لافت يحمل دلالات سياسية عميقة، حذّر ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أي توجه أمريكي لقصف طهران، واصفًا ذلك بأنه «ضرب من الجنون». هذا الموقف لا يمكن قراءته باعتباره رأيًا فرديًا معزولًا، بل يعكس تيارًا متناميًا داخل الولايات المتحدة بات أكثر تشككًا في جدوى الانخراط العسكري الخارجي، وأكثر ميلاً إلى الانكفاء على الداخل الأمريكي.

بانون أعاد طرح واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة الأمريكية المعاصرة: أولوية الداخل على الخارج. حين يقول إن «المشكلة في طهران ليست مشكلتنا، المشكلة في مينيابوليس هي مشكلتنا»، فهو يستحضر رمزية مدينة باتت عنوانًا لأزمات اجتماعية وعرقية وأمنية واقتصادية تعصف بالمجتمع الأمريكي. الرسالة واضحة: دولة تعاني انقسامًا داخليًا حادًا، وتراجعًا في الثقة بالمؤسسات، لا تملك رفاهية فتح جبهات جديدة في الشرق الأوسط.

الأهم في حديث بانون هو ربطه بين اندفاع واشنطن نحو صراعات خارجية وبين ما يراه «استجابة لرغبات نتنياهو». هذا الاتهام يعكس تصاعد النقد داخل أوساط أمريكية محافظة وحتى شعبوية، لفكرة أن السياسة الخارجية الأمريكية تُقاد أحيانًا باعتبارات حلفاء، وعلى رأسهم إسرائيل، أكثر مما تُقاد بالمصلحة الأمريكية المباشرة. وهي نقطة لطالما كانت محرّمة في الخطاب السياسي الأمريكي التقليدي، لكنها اليوم تُطرح بقدر أكبر من الجرأة.

تصريح بانون يكشف كذلك عن انقسام داخل التيار الترامبي نفسه. فبينما يتبنى جزء من الجمهوريين خطابًا تصعيديًا تجاه إيران، يتمسك آخرون، مثل بانون، بفكرة «أمريكا أولًا» بمعناها الصارم: لا حروب جديدة، لا استنزاف للموارد، ولا تكرار لتجارب العراق وأفغانستان التي تركت ندوبًا عميقة في الوعي الأمريكي.

من زاوية أوسع، يعكس هذا الموقف إدراكًا متزايدًا بأن أي ضربة عسكرية لطهران لن تكون عملية محدودة أو نظيفة، بل قد تشعل مواجهة إقليمية واسعة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، وتنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، وهو ما سيدفع المواطن الأمريكي ثمنه في نهاية المطاف.

خلاصة القول، إن تحذير ستيف بانون ليس موجّهًا لطهران بقدر ما هو موجّه لواشنطن نفسها. إنه تذكير بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تعوّض غياب الرؤية السياسية، وأن الانشغال الدائم بمعارك الخارج قد يكون أسهل من مواجهة أزمات الداخل، لكنه في النهاية أكثر كلفة وأقل جدوى

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى