الذكرى الخامسة عشرة لمحاولة اغتيال الصقر عمر سليمان في ثورة يناير

تمرّ اليوم الذكرى الخامسة عشرة لمحاولة اغتيال الصقر عمر محمود سليمان، رحمه الله رحمة واسعة، الرجل الذي لم يكن مجرد مسؤول أمني، بل كان عقل الدولة المصرية في أخطر مراحلها، وأحد أعمدة التوازن العالمي، واسمًا محفورًا في سجلات أجهزة الاستخبارات الكبرى.

لم يكن عمر سليمان رئيسًا عاديًا لجهاز المخابرات العامة المصرية، بل كان – بشهادة الحلفاء والخصوم – واحدًا من أهم خمسة رؤساء مخابرات في العالم، وأقوى رئيس مخابرات في الشرق الأوسط وأفريقيا على الإطلاق. رجل امتلك قدرة نادرة على قراءة المشهد الدولي، وإدارة الملفات الأكثر تعقيدًا في صمت مطلق، دون ضجيج أو استعراض، حتى صار مرجعًا أمنيًا لا غنى عنه في أخطر قضايا الإقليم.

في عواصم القرار الكبرى، كان اسم عمر سليمان يُنطق باحترام بالغ. لم يكن تابعًا لأحد، ولم يعمل لحساب أحد، بل كان رجل دولة يعرف كيف يحفظ مصالح بلاده وسط عالم لا يعترف إلا بالقوة والعقل. امتلك من الحنكة ما جعله لاعبًا أساسيًا في ملفات الإرهاب، والصراعات الإقليمية، والتوازنات الدولية، حتى صار وجوده عنصر استقرار لا يمكن تجاهله.

في ليلة 30 يناير 2011، وفي ذروة أخطر لحظة مرت بها الدولة المصرية الحديثة، أدى الصقر عمر سليمان اليمين الدستورية نائبًا لرئيس الجمهورية. لم يكن المنصب تشريفًا ولا مجاملة سياسية، بل كان اعترافًا صريحًا بأن الدولة لا تملك في تلك اللحظة رجلًا أكثر خبرة، ولا أشد صلابة، ولا أقدر على الإمساك بخيوط المشهد منه.

عقب أداء اليمين، شارك الصقر في اجتماع بالغ الحساسية داخل مقر مركز عمليات القوات المسلحة (66)، حيث كانت تُدار الدولة دقيقة بدقيقة، وسط انهيارات أمنية وضغوط دولية ومحاولات محمومة لإسقاط الدولة من الداخل والخارج. خرج من الاجتماع وهو يدرك أن ما يجري ليس مجرد أزمة، بل معركة وجود.

توجّه بعدها إلى مقر جهاز المخابرات العامة المصرية، بيته الأول وقلعته الحقيقية، ليُطلع اللواء مراد موافي على بعض الملفات شديدة الخطورة، وليجمع أوراقه الخاصة، وكأنه كان يستشعر أن القادم استثنائي، وأن الزمن لا يسمح بالترف.

وأثناء وجوده بمكتبه، تلقّى اتصالًا من مكتب رئيس الجمهورية، أُبلِغ فيه بأن الرئيس محمد حسني مبارك يطلب مقابلته على وجه السرعة. سأله مدير مكتب الرئيس عن نوع السيارة التي سيستقلها لإبلاغ الحرس الجمهوري، فجاء رد الصقر هادئًا وحاسمًا كعادته:

«سيارة الرئاسة BMW X5».

لم يسأل، ولم يناقش، ولم يتردد. هكذا كان عمر سليمان: يعرف أن الدولة لا تنتظر أحدًا.

عند خروجه من مقر الجهاز، وجد السيارة المصفحة الخاصة بالمخابرات أمامه، فاستقلها مسرعًا. ورغم تعليماته السابقة بترك السيارة المصفحة لاستخدام اللواء مراد موافي، فإن طاقم الحراسة تحرّج من تذكيره في تلك اللحظة الحرجة. انطلقت السيارة المصفحة أولًا، وتبعتها سيارة الرئاسة التي كان يقودها سائق محترف على أعلى مستوى، وبجواره الحارس الشخصي للصقر.

تحرك الموكب عبر شارع الخليفة المأمون في اتجاه روكسي، وكان مكوَّنًا من ثلاث سيارات:
• الأولى: سيارة الرئاسة الـ BMW X5 التي تم الإبلاغ بها رسميًا،
• الثانية: السيارة المصفحة التي استقلها الصقر،
• الثالثة: سيارة باقي طاقم الحراسة.

وعند مدخل كوبري الفنجري، أمام مستشفى القبة العسكري، كان كمين الموت في انتظاره. مجموعة مسلحة مكوّنة من خمسة إلى سبعة عناصر، مدرّبة ومجهّزة، مختبئة أسفل الكوبري، ومحصّنة خلف سيارتين، اختارت التوقيت والمكان بدقة استخباراتية.

وفجأة، انهالت النيران بكثافة غير مسبوقة، وتركّز إطلاق النار على السيارة الأولى، سيارة الرئاسة. خلال ثوانٍ، استُشهد سائق السيارة والحارس الشخصي للصقر، في مشهد دموي صادم.

ردّ طاقم حراسة عمر سليمان بسرعة وحسم، ودار اشتباك عنيف، أسفر عن مقتل اثنين من المهاجمين، واختفاء جثتيهما وسط الفوضى، بينما فرّ باقي العناصر تحت ضغط النيران.

وفي قلب هذا الجحيم، وتحت وابل الرصاص من كل اتجاه، ظهر معدن الصقر الحقيقي. طلب من سائقه التوقف فورًا للاطمئنان على رجاله. لم يفكر في نفسه، ولم ينشغل بنجاته، بل تصرّف كقائد يرى رجاله امتدادًا لروحه.

لكن السائق، الملتزم بتعليمات الحماية، رفض التوقف بشدة، وأصرّ على الانطلاق بأقصى سرعة حفاظًا على حياة الرجل الذي لا يُعوَّض. اندفعت السيارة مبتعدة عن موقع الكمين.

وأثناء الفرار، أطلقت قوات من الشرطة العسكرية النار عن طريق الخطأ، بعدما ظنت أن السيارة المسرعة إحدى سيارات المهاجمين. وبرغم هذا الخطر الإضافي، تمكن السائق الماهر من المناورة والنجاة، بعناية الله الذي لا يغفل ولا ينام، لتنجو حياة واحد من أخطر العقول الاستخباراتية في العالم.

خمسة عشر عامًا مرّت، وما زال اسم الصقر عمر سليمان حاضرًا بقوة في الذاكرة الوطنية. كان رجلًا يعرف أسرار العالم، ويدير أعقد ملفات الشرق الأوسط بندية كاملة، ويجلس أمام أقوى أجهزة المخابرات العالمية دون أن ينحني أو يساوم.

رحم الله الصقر عمر سليمان، أحد أهم خمسة رؤساء مخابرات في العالم، وأقوى رئيس مخابرات في الشرق الأوسط وأفريقيا، حين كان وجوده وحده يعني أن الدولة ما زالت آمنة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى