صموئيل العشاب يكتب . قبل اشتعال الحرب… كلُّنا خاسرون

في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ العالم، يقف المشهد الدولي على حافة صراع جديد، تتداخل فيه السياسة بالقوة، والإعلام بالمصالح، والشعوب بالقلق. قبل أن تشتعل الحرب رسميًا، وقبل أن تتحول لغة التهديد إلى صواريخ ودمار، يصبح من الضروري أن نتوقف قليلًا، وأن ننظر إلى الصورة كاملة بتجرّد وتسلسل، بعيدًا عن الانحياز الأعمى أو الحماس الزائف.
أولًا: عالم منقسم وإعلام يؤجّج
اليوم ينقسم العالم بوضوح إلى معسكرين؛ معسكر يشجّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويرى في التصعيد حسمًا وهيبة وقوة، ومعسكر آخر يشجّع المرشد الإيراني، ويعتبر المواجهة دفاعًا عن السيادة والكرامة. وبين الطرفين، تقوم بعض وسائل الإعلام بدور بالغ الخطورة، إذ لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تساهم في تسخين الأجواء، وتغذية مشاعر الغضب والكراهية، وكأن الحرب حدث ترفيهي أو مباراة سياسية لها جمهور ومشجعون.
هذا الانقسام لا يصنع وعيًا، بل يصنع حالة هستيرية جماعية، تُمهِّد لتقبّل العنف وكأنه أمر طبيعي أو حتمي.
ثانيًا: وهم الانتصار وحقيقة الخسارة
قبل اشتعال أي حرب، يكثر الحديث عن النصر، وتُرسم سيناريوهات الحسم السريع، لكن التاريخ يعلّمنا درسًا ثابتًا: لا أحد ينتصر في الحروب الحديثة. الخسارة لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو بحجم الدمار، بل بما هو أعمق وأخطر؛ انهيار الاقتصاد، تفكك المجتمعات، تآكل القيم، وانتشار الخوف واللايقين.
الحرب لا تُنتج استقرارًا، بل تفتح أبوابًا للفوضى يصعب إغلاقها لسنوات طويلة.
ثالثًا: التأثير الاقتصادي… نار تصل للجميع
حتى من يظن أن الحرب بعيدة عنه جغرافيًا، سيكتشف سريعًا أنها قريبة من جيبه وحياته اليومية. سترتفع أسعار الطاقة والغذاء، ستتأثر التجارة العالمية، وستضطرب الأسواق، ما ينعكس مباشرة على حياة الناس. الغلاء لن يفرّق بين دولة مشاركة في الحرب أو أخرى تراقب من بعيد.
الفوضى الاقتصادية تُنتج فقرًا، والفقر يُنتج غضبًا، والغضب يُنتج مزيدًا من العنف… دائرة مغلقة يدفع ثمنها المواطن العادي لا صانع القرار.
رابعًا: الحرب النفسية قبل العسكرية
قد يرى البعض أن قرار الحرب قد اتُّخذ بالفعل، وأن ما يجري الآن ليس سوى ترتيبات أو حرب نفسية تمهيدية. وهذا بحد ذاته جزء من المشكلة. فالحرب النفسية تزرع القلق والتوتر والاكتئاب في المجتمعات قبل أن يبدأ القتال.
الناس تعيش على أعصابها، تخاف من الغد، تفقد الإحساس بالأمان، وتصبح فريسة للشائعات والخطابات المتطرفة. وهنا تبدأ الخسارة حتى قبل سقوط أول ضحية.
خامسًا: الشعوب وقود الصراعات
رسالتي إلى من يشجّعون الحروب، أو يتعاملون معها باعتبارها تصفية حسابات سياسية أو أيديولوجية: الشعوب دائمًا هي الخاسر الأكبر. الجنود يُقتلون، المدنيون يُهجّرون، الأطفال يكبرون في الخوف، والأوطان تُستنزف.
حتى إن انتهت الحرب يومًا، فإن آثارها النفسية والاجتماعية تبقى لعقود، وتنتقل من جيل إلى جيل.
سادسًا: رفض الأنظمة لا يعني تشجيع الدمار
رغم رفضي للأنظمة الدينية المتشددة، وبخاصة تلك التي تتمنى الموت لدول أو شعوب لا ذنب لها سوى أنها تريد الحياة والتقدم، فإن هذا الرفض لا يعني تأييد الحرب أو الإبادة. معارضة نظام لا تبرر تدمير دولة، ومواجهة فكر لا تشرعن قتل الأبرياء.
الحروب لا تسقط الأفكار المتطرفة، بل غالبًا ما تُغذّيها وتمنحها مبررات جديدة للاستمرار.
سابعًا: كلمة أخيرة قبل فوات الأوان
أوقفوا خطابات الكراهية.
كفّوا عن تحويل العالم إلى ساحة تحريض مفتوحة.
لا تجعلوا الإعلام أداة لإشعال النار بدل إطفائها.
قبل اشتعال الحرب، وبعد اشتعالها، ستظل الحقيقة واحدة لا تتغير:
لا رابح في الحروب… جميعنا خاسرون، وإن اختلفت أشكال الخسارة.