د. محمود عبد الغني يكتب الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في المصانع

يُعد انتقال المصانع من أوروبا وروسيا والصين وتركيا والهند إلى مصر من الأخبار التي تسعد القلب، لما لها من أثر مباشر على تنمية الاقتصاد. فهذا الانتقال يفتح فرص عمل حقيقية، ويُسهم في خفض نسب البطالة، ويرفع من دخل الدولة، وبالتالي ينعكس إيجابًا على اقتصاد الشعب.
لكن يظل السؤال المهم: هل ستكون الرواتب مجزية في ظل التضخم العالمي الذي نعاني من تبعاته؟ أم ستظل الأجور على حالها بحجة توافر المواد الخام ورخص العمالة؟
وهنا يبرز تساؤل آخر: ما نسبة العمالة الأجنبية داخل هذه المصانع؟ وهل وجودها ضرورة حتمية؟ من الطبيعي أن تضم هذه المشروعات عددًا من الإداريين والفنيين من جنسية الدولة التي نقلت مصنعها، لكن تحديد نسبة هذه العمالة أمر بالغ الأهمية، لأنها تؤثر مباشرة على فرص التوظيف المتاحة للمصريين.
كما يفرض الواقع سؤالًا أكثر أهمية: هل اهتمت الدولة بتعليم الفنيين والعمال المصريين لغات الدول التي تنقل مصانعها إلينا، مثل الألمانية أو الروسية أو الصينية أو الفرنسية؟ فغالبًا ما تكون الماكينات وتعليمات التشغيل والعلامات الإرشادية مكتوبة بلغة الدولة المالكة للمصنع، فكيف سيتعامل العامل أو الفني أو المهندس أو الإداري مع هذه الماكينات دون فهم اللغة؟
هل نترك الأمر لـ«فهلوة» العامل المصري فقط؟ صحيح أن العقل المصري ذكي وقادر على التعلم السريع، لكن الاعتماد على الفهلوة ليس حلًا لدولة كبيرة مثل مصر، أصبحت وجهة عالمية لنقل المصانع.
كان من الواجب إعداد برامج تعليمية مبسطة لتعليم الفنيين والعمال الحد الأدنى من اللغة المطلوبة، سواء للتعامل مع الإدارة أو لفهم أوامر التشغيل والماكينات، خاصة أن معظم هذه المعدات تعمل بشاشات مبرمجة بلغات أجنبية. ولا نتحدث هنا عن إتقان كامل للغة، بل عن دورات مكثفة لا تتجاوز أسبوعين، تُمكّن العامل من فهم التعليمات الأساسية والتعامل بكفاءة.
ما زال لدينا الوقت لبذل جهد حقيقي في تصميم برامج تعليمية تتناسب مع احتياجات هذه المصانع ومتطلباتها الفنية.
ثانيًا، يجب على وزارة الصناعة وضع حد أدنى للأجور داخل هذه المصانع لا يقل عن 60% من أجر العامل الأجنبي، خاصة أن المستثمر يحصل على مزايا ضخمة، من إعفاءات ضريبية، وحق استغلال الأرض، وإمكانية التصدير عبر موانئ وبنية تحتية أنفقت الدولة عليها أموالًا طائلة. كل ذلك يُعد وفرًا كبيرًا في التكلفة، ويجب أن ينعكس على أجر العامل المصري.
وقد آن الأوان أن يجني الشعب ثمار صبره على السنوات العجاف التي عانى فيها من التضخم وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والمياه والهواتف والإنترنت. فهذا حق أصيل للمواطنين على دولتهم.