سامح عسكر يكتب: لماذا تُكفِّر الجماعة القضاء؟

لا يقتصر خلاف جماعة الإخوان على الدولة المصرية أو شعبها فحسب، بل يمتد في جوهره إلى منظومة العدالة نفسها، بوصفها إحدى ركائز الدولة الوطنية الحديثة. فالقضاء، في فكر الجماعة، ليس سلطة مستقلة تُطبق القانون، بل عقبة كبرى أمام مشروعها القائم على احتكار «الشرعية الدينية» وتوظيفها سياسيًا.

منذ نشأة الجماعة، تبنّت فكرًا عدائيًا تجاه القضاء، وصل إلى حد تكفير القضاة الذين ينظرون قضايا جرائمها، باعتبارهم – وفق منطقها – «يحكمون بغير ما أنزل الله»، وهو منطق مستمد من أدبيات الحاكمية وسيد قطب، حيث تُختزل الشريعة في رؤية تنظيمية ضيقة، ويُجرَّم كل من يخالفها، ولو كان يطبق قانونًا أقره المجتمع والدولة.

ولم يكن القاضي الشهيد أحمد الخازندار سوى نموذج مبكر لهذا الفكر المتطرف، حين دفع حياته ثمنًا لتصديه لجرائم الجماعة في أربعينيات القرن الماضي، ليؤكد التاريخ أن العداء بين الإخوان والقضاء ليس وليد اللحظة، بل جزء أصيل من تكوينهم العقائدي.

وبعد ثورة يناير، ومع اتساع رقعة العنف والجرائم الإرهابية، تصاعد استهداف الجماعة للقضاة المصريين الذين نظروا قضاياها أو علقوا عليها، سواء من فوق منصة القضاء أو خارجها. فشهدنا حملات تحريض وتشويه ممنهجة ضد رموز قضائية بارزة، من بينهم المستشار أحمد الزند والمستشارة تهاني الجبالي، وغيرهم، إضافة إلى الهجوم المتواصل على قضاة المحكمة الدستورية العليا، باعتبارها الحصن الأخير للدولة القانونية.

الإخوان يريدون القتل، ويكفرون العقاب… وتلك هي مشكلتهم الحقيقية.
فالعقاب العادل يُسقط خطاب «المظلومية»، ويكشف زيف ادعاءاتهم، لذلك يصبح القاضي – لا الجاني – هو العدو.

وفي هذا السياق، سعت الجماعة إلى خلق كيانٍ سياسي موازٍ داخل القضاء المصري، في محاولة مكشوفة لحرف منظومة العدالة عن أداء دورها النبيل. وهو كيان أسسه الهارب وليد شرابي تحت مسمى «قضاة من أجل مصر»، في مخالفة صريحة لمبدأ استقلال القضاء، وسرعان ما سخر منه المصريون، ولقبوه ساخرين بـ«قضاة من أجل الإخوان»، بعدما انكشف دوره التحريضي والسياسي.

ومن هذا المنطلق، جاءت خصومتهم مع المستشار محمد ناجي شحاتة، وشماتتهم في وفاته، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لكفرهم بمنظومة العدالة ذاتها. وهي الخصومة نفسها التي جمعتهم من قبل بالقاضي الشهيد أحمد الخازندار، وتجلّت في إدراج المستشار ناجي شحاتة على قوائم الاغتيال الإخوانية لدى تنظيمات إرهابية مثل حركة «حسم» و«كتائب حلوان» و«حركة ميدان» وغيرها، وهو ما يكشف الترابط العضوي بين الفكر التكفيري والممارسة الإرهابية.

والحقيقة التي يتجاهلها أنصار الجماعة عمدًا، أن المستشار الراحل محمد ناجي شحاتة لم ينظر إلا قضايا تضم متورطين في جرائم قتل عمد وقتل جماعي، واعتداءات مسلحة على الدولة والمواطنين. وكان من الطبيعي، ووفقًا لقانون العقوبات المصري، أن يكون الإعدام مصير من تثبت إدانته بتلك الجرائم بعد محاكمات مستوفية لإجراءاتها القانونية.

إلا أن الجماعة لجأت إلى سلاح التشويه الإعلامي، فأطلقت عليه وصف «قاضي الإعدامات»، وهو وصف مسيء ابتدعتْه قناة الجزيرة، ثم تبنته المنصات الرقمية التابعة للإخوان مثل «رصد» و«ميدان» و«العربي» وغيرها، في محاولة لتأليب الرأي العام وضرب الثقة في القضاء.

والمفارقة اللافتة أن بعض المحسوبين على اليسار، ممن يمكن وصفهم بـ«مراكب الإخوان»، باتوا يرددون الوصف ذاته، متأثرين بإعلام الجماعة، ويشاركون في الشماتة بوفاة الرجل، ثم ينفون أي صلة لهم بالإخوان عند مواجهتهم بالحقيقة!

لكن منذ متى كان الانتماء الإخواني يُعرّف فقط بالعضوية التنظيمية؟
فالإخواني الحقيقي ليس فقط من يحمل بطاقة تنظيمية، بل كل من يتبنى خطاب الجماعة، ويعيد إنتاج دعايتها الفوضوية، ويساهم – بوعي أو دون وعي – في مشروع هدم الدولة وتقويض مؤسساتها.

وتُظهر دروس المراحل السابقة، وما تشهده الساحة حاليًا، أن من يسقط أخلاقيًا لا يمكنه أن يحكم دولة، وأن من يفتقد مشروعًا فكريًا وأخلاقيًا جامعًا يستحيل عليه إقناع الملايين أو كسب أصحاب النفوذ الحقيقيين، الذين يستمدون قوتهم من أعراف المجتمع وقيمه واستقراره.

ولهذا، فإن معركة الإخوان مع القضاء ليست معركة قانون، بل معركة وجود:
وجود دولة، أو فوضى جماعة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى