صموئيل العشاي يكتب قراءة في وثيقة التكليفات الرئاسية للحكومة

لم تأتِ وثيقة تكليفات السيد رئيس الجمهورية للحكومة في تشكيلها الجديد كإجراء شكلي أو خطاب مكرر، بل بدت منذ سطورها الأولى كوثيقة وعي وإدارة، تُخاطب اللحظة بكل تعقيداتها، وتضع الحكومة أمام مسؤولية وطنية مضاعفة، وتبعث برسائل طمأنة وثقة في آنٍ واحد. هي وثيقة تُشيد بعقل الدولة قبل أن تُحمِّل الحكومة أعباء التنفيذ، وتؤكد أن القيادة السياسية لا تدير الأزمات بردود الفعل، بل برؤية استباقية تعرف أين تقف الدولة وإلى أين يجب أن تتجه.
وقد ضمت الوثيقة ثماني محاور رئيسية، يمكن اعتبارها بمثابة خريطة طريق متكاملة للمرحلة المقبلة، تجمع بين الحسم والمرونة، وبين الواقعية والطموح، وتضع الإنسان في قلب المعادلة دون أن تُغفل تعقيدات الاقتصاد أو حساسية السياسة.
المحور الأول جاء الأوسع والأكثر عمقًا، حيث أعاد التأكيد على محاور التكليف الرئاسي الأساسية عند تشكيل الحكومة: الأمن القومي والسياسة الخارجية، التنمية الاقتصادية، الإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، وبناء الإنسان. وهذا التقديم لم يكن عشوائيًا، بل يعكس إدراكًا واعيًا بأن الدولة القوية تبدأ من حماية وجودها، وتأمين قرارها، وصيانة مصالحها في عالم شديد الاضطراب.
الإشادة هنا واجبة بعقلية الربط لا الفصل. فالأمن القومي لم يُطرح بمعناه التقليدي الضيق، وإنما قُدِّم كمنظومة شاملة تمتد من حدود الدولة إلى قوت مواطنيها، ومن استقرار الإقليم إلى استقرار الأسواق. والسياسة الخارجية لم تُختزل في تحركات دبلوماسية، بل عُرضت كأداة لحماية المصالح الوطنية وبناء توازنات ذكية تحفظ للدولة مكانتها دون صدام أو تبعية.
أما التنمية الاقتصادية، فقد جاءت باعتبارها العمود الفقري للاستقرار، لا شعارًا للاستهلاك الإعلامي. التنمية هنا ليست أرقامًا في تقارير، بل قدرة حقيقية على الإنتاج، واستغلال أمثل للموارد، وبناء اقتصاد قادر على الصمود. ومن هنا جاء التأكيد على الإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، باعتبارها ملفات سيادية بامتياز، لا تقبل الحلول المؤقتة ولا الإدارة الموسمية.
ويظل “بناء الإنسان” هو جوهرة هذا المحور، وأعمق ما حملته الوثيقة من دلالات. فالرئيس، وهو يعيد التأكيد على هذا البعد، يضع حدًا لأي تصور يفصل بين التنمية والإنسان، أو بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية. الإنسان المتعلم، الواعي، الصحيح جسديًا ونفسيًا، هو الضمانة الحقيقية لاستمرار الدولة، وهو الاستثمار الذي لا يخسر أبدًا.
المحور الثاني انتقل إلى منطق الدولة الحديثة، حيث طالب بوضع خطة واضحة لكل وزارة، تتضمن مستهدفات دقيقة، وإجراءات محددة، وجداول زمنية، وتمويلًا معلومًا، ومؤشرات أداء قابلة للقياس. وهي نقلة نوعية من خطاب الجهد إلى خطاب الإنجاز، ومن النوايا الحسنة إلى المحاسبة الرشيدة.
وفي المحور الثالث، برز الاهتمام الواضح بالملف الاقتصادي، مع الإشادة بدور المجموعة الاقتصادية وتكليفها الصريح بتحسين الأوضاع، خاصة في مرحلة ما بعد برنامج صندوق النقد الدولي. اللافت هنا هو التأكيد على ضرورة التفكير خارج الصندوق، والبحث عن حلول مبتكرة لتخفيض الدين العام، ولكن بعقل الدولة الحريص، لا بعقل المغامرة.
المحور الرابع جاء داعمًا لسياسة ملكية الدولة، مؤكدًا ضرورة الاستمرار في تنفيذها بخطوات واقعية، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، في رسالة طمأنة للمستثمرين، وإشارة إلى أن الدولة واثقة في اقتصادها، وقادرة على إدارة شراكات متوازنة.
أما المحور الخامس، فقد حمل نظرة مستقبلية تُحسب للوثيقة، عبر التوجه نحو مجالات التكنولوجيا والمعادن النادرة والصناعات المرتبطة بها، وتشجيع الابتكار وتمويل البحث العلمي. وهي إشادة مستحقة بعقل يفكر فيما بعد اللحظة الراهنة، ويستثمر في اقتصاد الغد لا فقط في إدارة أزمات اليوم.
المحور السادس أعاد التأكيد على التعليم والصحة كقضيتين وطنيتين لا تحتملان التأجيل. فالارتقاء المستدام بمنظومة التعليم، وزيادة الاهتمام بصحة المواطنين وتيسير العلاج، يعكس رؤية ترى المواطن شريكًا في التنمية لا مجرد متلقٍ للخدمة.
وفي المحور السابع، برز البعد المجتمعي والسياسي، من خلال إعلاء قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز، وتشجيع المشاركة في الشأن العام، واستكمال الاستحقاق الدستوري للمجالس المحلية، بما يفتح الباب أمام رقابة شعبية حقيقية، وضبط للأداء الإداري من القاعدة إلى القمة.
أما المحور الثامن، فكان بمثابة تتويج للوثيقة، حين منح الرأي العام والإعلام دورًا محوريًا في معركة الوعي. إشادة مستحقة بإعلام وطني مهني مسؤول، لا يكتفي بنقل الخبر، بل يصنع وعيًا، ويواجه الشائعات، ويعزز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.
في النهاية، نحن أمام وثيقة تستحق التوقف والقراءة المتأنية. وثيقة لا تُجامل، ولا تُراوغ، ولا تترك مساحات رمادية. ثماني محاور، لكنها في جوهرها رؤية دولة تعرف حجم التحدي، وتملك إرادة المواجهة، وتراهن على وعي شعبها قبل أي شيء آخر.