فوزي جندي يكتب: لكلٍّ منّا قصة…

لكل إنسان حكاية عاشها بين الحلم والخيال، بين الشجن والدهشة، لحظة ظنّ فيها أنه خرج من حدود الواقع ودخل عالمًا آخر.
وأنا كنت واحدًا من هؤلاء… عشت قصة حسبتها يومًا حلمًا، وربما كانت حلمًا بالفعل.
كنت كأنني في مركبٍ صغير يشقّ مياه النيل في هدوء الليل، والنسيم يلامس الروح قبل الجسد. في نهاية المركب جلست فتاة جميلة، صامتة، تتأمل الحياة، وكأن البحر كله انعكس في عينيها.
عيونها لم تكن عيونًا عادية، كانت بحرًا بلا بداية ولا نهاية، تحمل ألف حكاية، وألف لغز. رأيت فيها هدوء البحر حين يسكن، وعمقه حين يبتلع الأسرار. سحرتني نظرتها، وغرقت معها في عالم آخر، عالم بعيد عن صخب الحياة.
ابتسامتها كانت راحة للأعصاب، وروحها كانت جمالًا خالصًا للحياة. وجهها حسن، وشعرها كخيوط الحرير، وكأنني أمام لوحة مرسومة بيد فنان لا يخطئ. لم أرَ مثل هذا الجمال منذ ولادتي.
اقتربت منها، جلست أحدثها، وكأنني أعرفها منذ زمن بعيد، كأنها قطعة اقتُطعت من قلبي دون استئذان. رأيت فيها إنسانية خالصة، وعشت معها لحظات كأنها في السماء، حيث الحب والشجن والسعادة، لحظات خارج حساب الزمن.
كانت المركب تسير، ونحن لا نشعر بمرور الوقت. الليل مضى دون أن نعرف كيف، حتى أشرقت الشمس، وكأن الساعات لم تكن. لم أكن على الأرض، كنت معلقًا بين العاطفة والرومانسية والخيال. كنت في حلم جميل، في عالم آخر، مع فتاة الأحلام.
انتهت الرحلة… وعرفت اسمها من حرفٍ كُتب في بحر الحياة.
وحين نزلت من مركب الحلم، بحثت عنها، فلم أجدها. عدت أبحث، فلم أجد. أدركت حينها أن زمني لم يكن زمن حب، وأن ما عشته كان حلمًا عابرًا.
مضيت في حياتي، وبحثت عن شريكة الحياة الحقيقية. كانت صورتها ما تزال في ذهني، لكنني بدأت أكتب قصة جديدة. تقدمت، تزوجت، ودخلت دوامة الحياة… وهناك فقط فهمت الحقيقة.
اكتشفت أن حب الخيال ليس كحب الواقع.
الحب الأول الذي لم يكتمل كان حبًّا وقتيًّا، طيش شباب، طاقة بلا عقل، عاطفة بلا وعي.
أما الحب الحقيقي، فوجدته في المشاركة، في تحمل متاعب الحياة، في الألم المشترك قبل الفرح، في التضحية قبل الكلمات.
الحب الحقيقي ليس حلمًا ورديًا، بل شراكة.
هو أن تقدّم الآخر على نفسك، أن تصبحا نفسين في جسد واحد، وفكرين باتجاه واحد.
هو أن تعيشا معًا الحلو والمر، أن تتجاوزا الخلافات، أن يكون لكما هدف واحد: أن تصنعا الحياة معًا.
الحب الحقيقي لا يهرب من المشاكل، بل يعرف كيف يتجاوزها.
لا يعيش على الخيال، بل على العِشرة والتفاهم والاحترام.
قد يمرّ الإنسان بقصص حب كثيرة، ويعبّر عنها بطريقته، لكن النهاية واحدة:
الحب الذي لا ينتهي بالارتباط، لم يكن حبًا حقيقيًا.
فالحب عهد يُقطع بين اثنين، لا مجرد شعور عابر.
يقال إن الحب أعمى، لكن الحب الأعمى لا يرى النور، ولا يصمد.
والتعلّق العاطفي غير المكتمل يخلّف ألمًا، وندمًا، وجراحًا قد تصدم القلب.
ومع ذلك…
الحب لا يموت.
هو يعيش في سماء الخالدين، قوة على الأرض لا تُنسى. إذا دخل القلب غيّره، جعله أكثر رقة وحساسية، وقد يحوّل الأعداء إلى أحباب.
الحب ليس عمرًا يُحسب بالسنين، بل لحظات تُحسب بالشجن والسعادة.
لحظات تجعل القلب في مكان آخر، في راحة وسلام.
يجعل انتظار الحبيب زمنًا بلا ساعات، ويجعل الشوق طاقة، واللقاء حياة.
ومن أحبّ بصدق، خاف وغار، حتى من نسمة الريح.
وأخيرًا…
كل عام والحب بخير،
وكل عام والعالم ما زال قادرًا على أن يعيش، ولو قليلًا، أجمل لحظات الحب. ❤️