حين يصبح المصري غريبًا في وطنه

اللواء الدكتور ممدوح شفيق النحاس يكتب:
لم يعد الشعور بالانتماء أمرًا مسلمًا به لدى المواطن المصري، لا لأن حب الوطن ضعف، بل لأن ميزان العدالة اختل. المصري بطبيعته وفيٌّ لأرضه، صبور على الشدائد، مستعد للتحمّل إذا شعر أن الجميع يتقاسم العبء نفسه. لكن الواقع اليوم يخلق إحساسًا قاسيًا بالغربة، حين يرى صاحب الأرض نفسه في آخر الصف، بينما تُدار موارد محدودة تحت ضغط متزايد.
وجود اللاجئين في مصر ملف إنساني نبيل في جوهره، وقد فتحت الدولة أبوابها دون ضجيج. غير أن إدارة هذا الملف، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، تركت أثرًا مباشرًا على حياة المواطن. الطلب على السكن والخدمات ارتفع، الإيجارات قفزت، والأسعار اشتعلت.
المواطن يعمل ليل نهار بدخل محدود، يطارد الغلاء في كل تفصيلة: غذاء ودواء ومواصلات، بينما يرى دعمًا يصل إلى غيره عبر قنوات دولية لا تمر عليه. هنا لا تنشأ الغيرة، بل يتفجّر السؤال المشروع: أين التوازن؟
الولاء الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، بل بالإنصاف. حين يشعر المصري أن دولته تضعه أولًا في السكن والعلاج والعمل، يتجدد انتماؤه ويشتد استعداده للتضحية. أما حين يرى نفسه الأقل حظًا على أرضه، يتسلل الإحساس المرّ: أن يكون غريبًا في وطنه. وهذا أخطر ما يهدد الاستقرار الاجتماعي، لأن الولاء شعور قبل أن يكون موقفًا.
القضية ليست كراهية للاجئ، ولا تنصلًا من واجب إنساني، بل مطالبة بإدارة عادلة وشفافة: تنظيم الوجود، وضبط الدعم، وتخفيف الضغط عن الخدمات، مع أولوية واضحة للمواطن. فالوطن لا يقوى إلا بأبنائه، ولا يُحمى إلا بشعورهم بالانتماء.
إذا أردنا الحفاظ على الولاء، فعلينا أن نعيد للمصري إحساسه بأنه صاحب الدار، لا زائرًا مؤقتًا. العدالة هي الطريق الأقصر لاستعادة الثقة، وخير الوطن يجب أن يبدأ بأبنائه، حتى لا يتحول الحب الصامت إلى غربة موجعة.