إعتذار واجب… لعمنا منير مكرم

في زحمة مواقع التواصل، حيث تتكاثر الأحكام السريعة وتعلو نبرة الانفعال على صوت العقل، تعرّض الفنان القدير منير مكرم لموجة من الانتقادات الحادة بعد مشاركته في إعلان لإحدى شركات المقابر. وبين لحظة وأخرى، تحوّل الأمر من اختلافٍ في الرأي إلى سيلٍ من التعليقات القاسية التي مست الرجل في شخصه قبل أن تناقش الفكرة ذاتها.
قد يختلف البعض حول ملاءمة الإعلان أو فكرته، وقد يرى آخرون أنه غير معتاد أو صادم بحكم حساسية موضوع الموت في وجدان المجتمع. لكن ما لا يجوز أبدًا هو أن يتحول هذا الاختلاف إلى محاكمة أخلاقية أو تشكيك في النوايا. فالإعلان، في جوهره، لم يكن ترويجًا لحرام أو دعوة إلى ما يخالف القانون، بل تناول خدمة موجودة بالفعل، يتعامل معها المجتمع يوميًا، وإن كان يتحرج من الحديث عنها.
إن منير مكرم ليس فنانًا طارئًا على الساحة، ولا اسمًا يبحث عن شهرة عابرة. هو ابن جيلٍ قدّم سنوات طويلة من العمل الجاد، وشارك في عشرات الأعمال التي حفرت اسمه في ذاكرة الدراما والسينما المصرية. حضوره دائمًا اتسم بالهدوء والالتزام، وأداؤه كان صادقًا بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض. لم يُعرف عنه إثارة الأزمات، ولا الانخراط في معارك إعلامية، بل ظل نموذجًا للفنان المحترم الذي يؤدي دوره ويمضي في صمت.
وعندما خرج للرد على الانتقادات، لم يكن ردّه دفاعًا متعالياً أو محاولة للهروب من المسؤولية، بل كان حديث إنسان بسيط يواجه ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا. تحدث بوضوح عن حقه في العمل، وعن مسؤوليته تجاه أسرته وأولاده، مؤكدًا أن ما قام به عمل مشروع لا يجرّمه قانون ولا يحرّمه شرع. قد تكون كلماته مباشرة، وربما حملت شيئًا من المرارة، لكنها كانت صادقة، خرجت من قلب أبٍ يشعر بثقل المسؤولية.
ومن الإنصاف أن نتذكر أن الفنان، مهما بلغ من الشهرة، يظل إنسانًا له التزامات يومية، واحتياجات معيشية، وظروف قد لا يعلمها الجمهور. وقد مرّ منير مكرم بوعكة صحية في وقت سابق، ولم يُخفِ معاناته، بل عبّر عنها بشفافية عندما وجّه رسالة شكر مؤثرة للفنان والإعلامي إدوارد بعد استضافته له، مؤكدًا أن تلك الحلقة كانت دعمًا معنويًا وماديًا في مرحلة صعبة من حياته. هذه الروح المتواضعة، والقدرة على الاعتراف بالحاجة إلى الدعم، تكشف عن معدن إنساني نادر.
كما أن مشاركته في الموسم الرمضاني الماضي من خلال مسلسل حكيم باشا إلى جانب الفنان مصطفى شعبان تؤكد أنه ما زال حاضرًا وفاعلًا في المشهد الفني. لكن طبيعة المهنة الفنية بطبيعتها غير مستقرة؛ قد تزدهر في موسم وتهدأ في آخر، ولا تضمن لصاحبها دخلًا ثابتًا أو أمانًا طويل الأمد. ومن هنا يصبح قبول إعلان مشروع، مهما اختلفت الآراء حوله، أمرًا مفهومًا في سياق السعي الكريم للرزق.
إن الاعتذار هنا ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية. فإذا كنا قد انجرفنا خلف موجة السخرية أو بالغنا في القسوة دون أن نضع أنفسنا مكان الرجل، فمن الواجب أن نقولها صريحة: ربما أخطأنا حين قسونا. فالاختلاف في الذوق لا يمنحنا حق الانتقاص من قيمة إنسان، والتحفظ على فكرة لا يبرر التشهير بصاحبها.
إلى الفنان الراقي منير مكرم…
لك منا اعتذار صادق إن كان بعض النقد قد تجاوز حدوده، ولك منا إشادة مستحقة بمسيرتك الطويلة وسلوكك المهذب وحرصك على العمل الشريف. لقد اخترت طريق الكرامة، طريق السعي الحلال لإعالة أسرتك، وهذا في حد ذاته قيمة عظيمة لا يعلو عليها جدل.
ستبقى فنانًا محترمًا في أعين من يعرفون معنى الاجتهاد، وإنسانًا يستحق الدعم لا القسوة. ففي النهاية، الرحمة أولى من الأحكام، والعدل أسمى من الضجيج.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى