صموئيل العشاي يكتب : مصر… صوت الحكمة في زمن الاضطراب

تتصاعد في الإقليم مؤشرات التصعيد، ويعلو الحديث مجددًا عن احتمال توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وكأن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى على حافة مواجهة مفتوحة لا أحد يعرف أين تبدأ ولا كيف تنتهي. المفارقة أن كثيرين يلوّحون بخيار الحرب، لكنهم لا يريدون أن يكونوا في واجهتها؛ يفضلون أن تُدار المعركة بأيدي قوى كبرى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، بينما تبقى عواصمهم بعيدة عن المشهد العلني، تراقب وتنتظر النتائج.

في الكواليس، تُنسج خيوط التوتر بصمت، وتعمل بعض الأطراف على تسريع إيقاع المواجهة دون إعلان صريح. خطاب مزدوج يرفع راية السلام أمام الكاميرات، ويترك أبواب التصعيد مواربة خلف الأبواب المغلقة. هنا يظهر الفارق الجوهري بين من يتاجر بالشعارات، ومن يتحمل كلفة القرار ومسؤوليته التاريخية.

وسط هذا المشهد الملبّد، تبرز مصر بثبات واتزان. لم تنخرط في سباق التحريض، ولم تنسق وراء حسابات قصيرة النظر، بل اختارت طريق الوساطة النشطة والسعي الجاد لاحتواء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل امتداد لدور مصري راسخ يدرك أن أي حرب جديدة في المنطقة لن تكون مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل عاصفة سياسية واقتصادية وأمنية سيدفع ثمنها الجميع، خاصة في ظل تهديدات محتملة للملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وانعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة والغذاء عالميًا.

وخلال الأسابيع الأخيرة (يناير–فبراير 2026)، كثّفت مصر تحركاتها الدبلوماسية على أكثر من مسار، في تأكيد واضح على تمسكها بخيار خفض التصعيد واتصالات مباشرة ومكثفة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى جانب تحركات نشطة لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي.
وهناك تنسيق ثلاثي مع قطر وسلطنة عُمان لدعم مسار التهدئة واستئناف المفاوضات النووية، التي بدأت جولات استكشافية لها في مسقط في 6 فبراير 2026.

وتأكيد مصري واضح على أن الحوار القائم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة هو السبيل الوحيد، مع رفض صريح للخيار العسكري والتحذير من “تداعيات كارثية” على استقرار المنطقة.

في المقابل، يواجه الرئيس الأمريكي السابق والحالي دونالد ترامب ضغوطًا سياسية وإعلامية متواصلة على خلفية قضية جيفري إبستين. ورغم أن الوثائق التي أُفرج عنها مطلع 2026 لم تثبت تورطًا جنائيًا مباشرًا، فإن الجدل السياسي والإعلامي لم يتوقف، وبات حاضرًا بقوة في المشهد الأمريكي الداخلي، مع انقسام حاد في التقييمات بين مختلف التيارات.

في السياق ذاته، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قضايا فساد معروفة إعلاميًا بالقضايا 1000 و2000 و4000، تتعلق بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. ورغم تقليص وتيرة إجراءات المحاكمة في مطلع 2026، فإن هذه الملفات لا تزال تُلقي بظلال ثقيلة على مستقبله السياسي، وتغذي نقاشًا داخليًا وخارجيًا حول احتمالات “تصدير الأزمات” إلى الخارج للهروب من استحقاقات الداخل.

التاريخ السياسي يعلّمنا أن بعض القادة، حين تضيق بهم أزمات الداخل، قد يلجأون إلى التصعيد الخارجي أملاً في إعادة ترتيب الأوراق أو توحيد الجبهة الداخلية. غير أن هذا المسار لا يكون سوى مقامرة خطيرة بمصير الشعوب واستقرار الإقليم، وغالبًا ما يدفع ثمنه الأبرياء قبل صناع القرار.

من هنا يتضاعف القلق من سلوك بعض الدول التي تعلن دعمها للسلام، بينما تترك مساحات واسعة لاحتمالات الاشتعال. فالسلام ليس بيانًا دبلوماسيًا يُتلى في المؤتمرات، بل موقفًا شجاعًا يتطلب وضوحًا وثباتًا ورفضًا صريحًا لسياسة حافة الهاوية.

ولهذا، يحق لنا كمصريين أن نفخر. فمصر اختارت أن تكون دولة توازن لا دولة اندفاع، ودولة استقرار لا دولة مغامرات. تدرك أن الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها تنتهي دائمًا بدماء الأبرياء وأزمات تمتد لسنوات طويلة.

في زمن تختلط فيه الحسابات الشخصية بالمصالح الدولية، يبقى الموقف المصري داعمًا للسلام، متمسكًا بخيار الحكمة، رافضًا الانجرار إلى صراع قد يحرق الأخضر واليابس. وهذا الموقف، بعيدًا عن أي شعارات، ليس ضعفًا، بل قوة نابعة من وعي عميق بحجم المسؤولية.

هنا يكمن الفخر الحقيقي: أن تكون مصر، وسط العاصفة، صوت العقل الذي يعلو فوق الضجيج، وحارس الاستقرار في منطقة أنهكتها الحروب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى