جمال عبد الناصر يكتب عن زكي رستم: عبقرية التقمص وصرامة الأداء

مدرسة التمثيل الداخلي
يستذكر المجتمع الفني زكي رستم في هذه الذكرى باعتباره أحد رواد مدرسة التمثيل الداخلي. كان حضوره في الكادر يشبه جدارًا صلبًا لكنه نابض بالحياة. لم يكن يؤدي الدور بانفعال زائد، بل يجعل الحركة القليلة تحمل دلالات مكثفة. وتظهر سيرة الشخصية من خلال طريقة جلوسه ونبرة صوته وثقل وقوفه وتباطؤ التفاته.
الإطار النقدي والتقييم
من منظور نقدي، يظهر زكي رستم كأحد أوائل من أسسوا التمثيل الداخلي في السينما المصرية. لم يعتمد على المبالغة أو الإيماءات الزائدة، بل استخدم اقتصاد الحركة ليكون كل تحريك محملاً بالدلالة. كما اشتغل على البنية النفسية للشخصية قبل ملامحها الظاهرية؛ فصنع تاريخًا داخليًا يبرز من خلال الإيحاءات في الجلوس ونبرة الصوت وتغير الإيقاع. بذلك كانت شخصياته أقرب إلى تجربة إنسانية عميقة من كونها نماذج جاهزة.
الصوت والجسد في الأداء
يملك زكي رستم صوتًا جهوريًا مميزًا لم يتعامل معه كأداة استعراض، بل كأداة درامية لبناء السلطة أو كشف الهشاشة. في أدوار الباشا أو الرجل المتسلط ينحدر صوته كحكم نهائي وحاسم الإيقاع، بينما يؤدي شخصية مأزومة أو مكسورة فيخفّض طبقة صوته وتظهر ارتعاشة خفية. كان التحكم في الإيقاع الصوتي جزءًا من هندسة الأداء؛ فالجملة تُبنى تدريجيًا وتتزايد وتستقر بما يمنح المشهد توترًا محسوبًا. كان جسده مؤطرًا بحدود واضحة؛ كتفان عريضان، ووقفه مستقيمة، وحركة محدودة، لكنها عند اللزوم تفتح بابًا للإيحاء بالانفعال عبر العينين وحدهما.
استمرار الحضور في الذكرى
في ذكرى رحيله، يظل حضور زكي رستم نابضًا بالحياة في أعماله، فإحساسه بالسلطة والخوف والغيرة والندم لم يكن أداءً فنيًا عابرًا بل تعبيرًا عن صراع الإنسان. لم يكن مجرد ممثل يكرر قالبًا؛ بل كان يتغلغل في التكوين النفسي للشخصيات حتى يترك للمتلقي طبقات من المعنى تتجاوز السطح. وعندما نتابع مشاهده اليوم، لا يبدو التاريخ مجرد سرد أبيض وأسود، بل يظل الفنان حيًا في طريقة تقمصه للدور حتى يصبح هو أنت وتبقى أنت هو.