ياسر عبد الرحمن صانع الإحساس الدرامي في رأس الأفعى

تبرز موسيقى ياسر عبد الرحمن في رأس الأفعى كعنصر سردي رئيسي، وليس مجرد تزيين للمشهد. يتناول العمل أحد ملفات الأمن الوطني في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير، وتحديدًا أجواء عام 2013 التي شهدت تفجيرات واضطرابات. يعكس التناغم الصوتي قدرة الموسيقى على التعديل في مناخ التوتر عبر بناء ثيمات لحنية تتطور مع الحدث وتتماشى مع الوضع النفسي للشخصيات. ترسخ الموسيقى كإطار درامي يوازي الصورة ويتيح إشارات صوتية لا تصرخ لكنها عميقة الأثر.
التتبع الصوتي للمسلسل
يبدأ التتر بإيقاع منخفض يعتمد على الآلات الوترية الداكنة مثل التشيللو والكونترباص ليخلق إحساسًا بالترقب. تتخلله نبضات إيقاعية متقطعة تذكّر بساعة تحسب الزمن قبل الانفجار. تتداخل بعض اللمسات الإلكترونية الخفيفة مع العناصر التقليدية لتؤكد عصر التقنية وتطوراته. اللافت أن اللحن يحمل بعدًا وطنيًا رصينًا وبُنية أمنية تبرز من خلال التقطيعات المفاجئة وتوجيه النبض.
توتر داخلي وتدرج درامي
هنا يبتعد العمل عن الميلودراما الصاخبة ويعتمد على توتر داخلي هادئ. تظهر قدرته في إدارة الإحساس بالقلق عبر ثلاث مستويات: مشهد المطار يتّسم بتصاعد تدريجي يعتمد على جملة لحنية قصيرة، وفي مشهد المترو يَتَكَثَّف الإيقاع ليحاكي سرعة المكان وتدفق الحركة. تتداخل الإيقاعات مع أصوات البيئة وتذوب الحدود بين الصوت الطبيعي والموسيقى، ويترك الصمت مساحة لتكوين صوتي يهمس بالحبس قبل إحكام القبضة. عند لحظة القبض تتحول الموسيقى من توتر إلى حسم، وتدخل الآلات النحاسية بثبات كإعلان عن استعادة السيطرة دون احتفال صاخب.
أثر الموسيقى وذاكرتها
من أبرز ملامح ياسر عبد الرحمن أن موسيقاه لا تبقى مجرد خلفية بل ترتبط بالذاكرة البصرية وتؤدي وظيفة سردية متماسكة. يبرز ميله لبناء ثيمات واضحة يسهل تذكرها، لكنها تتطور مع تطور الحدث وتغير السياق النفسي للشخصيات. هذه القدرة تجعل جملة موسيقية معينة تستدعي المشهد المرتبط بها عند سماعها وتمنحه حضورًا دائمًا في الذاكرة. بذلك يصبح العمل صوتًا يشارك في تشكيل المشهد ويؤكد أن الموسيقى التصويرية ليست زخرفة بل صوت محوري في الإيحاء والتفسير.
سوابقه الفنية وتأثيره
سبق أن تَقَدم حضوره في أعمال تاريخية ووطنية كبرى مثل فيلم أيام السادات وفيلم ناصر 56، كما ظهر في الدراما عبر فارس بلا جواد. في هذه الأعمال تعامل مع اللحظة الوطنية كمقام موسيقي يتطلب وقارًا داخليًا وهدوءًا وتصاعدًا مدروسًا لا يميل إلى المباشرة أو الشعاراتية. يعزز أسلوبه البناء الدرامي ويمنح المشاهد إحساسًا باستمرارية الحدث عبر رابط صوتي واضح. كما يبرز أنه ليس مجرد مؤلف موسيقى تصويرية بل دراماتورج صوتي ينسج شبكة من الأصوات تحيط بالمشهد وتكشف ما وراءه.
تؤكد هذه الأعمال أن موسيقى التصويرية تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل التوتر والروح الوطنية داخل العمل، وأن ياسر عبد الرحمن يواصل توسيع دورها في السرد الدرامي المصري. يعتمد طريقة عمله على بناء ثيمات قابلة للتذكر وتطويرها مع تطور الشخصيات والسياقات. بهذا الأسلوب يثري المشاهد بتجربة سمعية متماسكة تعزز المعنى وتؤكد مكانة الموسيقى كعنصر سردي أساسي لا يمكن الاستغناء عنه.