رفعت فياض يكتب: خطيئة مخالفة القانون في اختيار عمداء المعاهد

ارتكبت وزارة التعليم العالي، خلال العام الماضي، خطيئة كبرى بمخالفة قانون تنظيم شؤون المعاهد عند اختيار عمداء المعاهد العليا الخاصة والمتوسطة، وهي المخالفة التي ما زالت آثارها تتردد حتى الآن داخل نحو 185 معهدًا تضم ما يقرب من 800 ألف طالب وطالبة. ونضع هذه القضية اليوم أمام الوزير الجديد د. عبد العزيز قنصوة، ثقةً في قدرته على تصحيح المسار وإزالة ما شاب الإجراءات من عوار.
لطالما حذرنا مرارًا من مغبة مخالفة نصوص القانون رقم 52 لسنة 1972 بشأن تنظيم شؤون المعاهد الخاصة، والذي ينص بوضوح على أن الجمعية المالكة للمعهد هي الجهة المنوط بها، في المقام الأول، ترشيح من تراه مناسبًا من الأساتذة المتخصصين لعمادة المعهد، ثم يُرفع الاسم إلى الوزارة لإصدار قرار التعيين. فإذا رأت الوزارة عدم ملاءمة المرشح، تطلب من الجمعية ترشيح بديل. وإذا تكرر عدم القبول، يحق للوزير تعيين عميد للمعهد.
هذا هو نص القانون الصريح. لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
إذ أقنع أحد أعضاء مجلس شؤون المعاهد – الذي أصبح لاحقًا قائمًا بأعمال أمين المجلس – الوزير السابق بضرورة “إحداث ثورة” في المعاهد، عبر إلزام كل معهد بترشيح ثلاثة أساتذة متخصصين، لاختيار أحدهم عميدًا بعد مقابلات واختبارات. وجاء هذا التوجه مخالفًا لنص القانون، ومتجاهلًا واقع المعاهد؛ إذ إن نحو 95% منها لا يضم أساتذة بدرجة “أستاذ”، بل يعتمد في الغالب على مدرسين وأساتذة مساعدين، أو على أساتذة منتدبين من الجامعات الحكومية.
وبذلك وُضعت المعاهد في مأزق حقيقي: كيف يمكنها ترشيح ثلاثة أساتذة متخصصين، في ظل ندرة هذه الدرجات العلمية داخلها؟ بل كيف يمكن توفير ثلاثة أساتذة في كل تخصص عبر 185 معهدًا؟
أمام هذا الواقع، لجأت بعض المعاهد إلى التحايل الاضطراري على القرار. فمنها من رشح ثلاثة أساتذة، اثنان منهم من خارج التخصص، إلى جانب العميد القائم، لضمان استبعاد غير المتخصصين وبقاء العميد الحالي. ومنها من نسّق مع معاهد أخرى لتبادل الترشيحات في ما بينها. بل وصل الأمر إلى ترشيح أساتذة من كليات الطب أو الهندسة لعمادة معاهد تجارية، فقط لاستيفاء الشكل المطلوب، مع العلم برفضهم لاحقًا لعدم ملاءمة التخصص.
النتيجة: تحايل في تحايل، سببه قرار إداري مخالف للقانون.
ثم شُكّلت لجان مقابلات ضمت قيادات بالقطاع ومستشارين، غير أن كثيرًا من الاجتماعات لم يشهد حضورًا فعليًا لبعض الأعضاء، رغم إدراج أسمائهم، بما يثير تساؤلات حول جدوى ما أُنفِق من أموال على هذه الإجراءات. وبعد كل ذلك، جاءت النتيجة النهائية صادمة: التجديد لجميع العمداء القائمين تقريبًا، وعودة بقية المرشحين إلى جهاتهم الأصلية، باستثناء عدد محدود جدًا من المعاهد التي عُيّن لها عمداء جدد لانتهاء المدد القانونية.
وهنا يبرز السؤال المنطقي: ما الجديد الذي تحقق؟ ولماذا كل هذه اللجان والنفقات، إذا كانت النتيجة هي الإبقاء على الوضع القائم؟
بل إن الأمر بلغ حد إعلان استثناء 33 معهدًا حاصلًا على الجودة من شرط ترشيح ثلاثة أساتذة، والاكتفاء بمرشح واحد، ثم إضافة خمسة معاهد بالمحافظات الحدودية. وهو استثناء يؤكد ضمنًا صعوبة تطبيق القرار من الأساس.
لقد كشفنا هذه الوقائع في حينها بالأسماء والتفاصيل، تأكيدًا على أن اعتراضنا لم يكن بدافع شخصي، بل دفاعًا عن سيادة القانون والصالح العام. وبعد أن “تمخض الجبل فولد فأرًا”، أصبح الملف مثار تساؤلات داخل أوساط المعاهد، بل ومحط أنظار الأجهزة الرقابية.
واليوم، نعيد طرح القضية أمام الوزير الجديد، أملاً في تصويب المسار، وإعادة الالتزام الصارم بنصوص القانون، ورفع حالة الاحتقان التي سادت المعاهد نتيجة قرارات كان يمكن تجنبها لو التزمنا منذ البداية بحكم القانون وروحه.
إصلاح الخطأ ليس تراجعًا، بل تصحيحٌ واجب، وصونٌ لهيبة القانون ومصداقية مؤسسات التعليم العالي.