حكايات الفراعنة: حسين حجازي الأب الروحي للمنتخب والغموض وأنصفته الموهبة

نفتح معاً سجلات الزمن لنستعيد ذكريات صاغت وجدان الشعب المصري وبنت مجد الكرة الأفريقية. تتواصل هذه السلسلة خلال شهر رمضان بحلقات يومية تستعرض محطات فارقة من ذاكرة الفراعنة وتوثق مسيرتهم. نروي قصص بطولات بدت مستحيلة أو مدربين أحدثوا فرقهم بفكرهم وإخلاصهم، أو حدثاً فريداً قلب الموازين وأبكى الملايين فرحاً وفخراً. كما نسلط الضوء على قصص الصمود والتحدي التي عززت من مكانة مصر في القارة السمراء والمحافل العالمية.
حكايات الفراعنة
عاش حسين حجازي حياة مفعمة بالشغف الرياضي، فغادر ميناء الإسكندرية في عام 1911 متوجهاً إلى إنجلترا بحثاً عن فرصة في عالم الكرة. وُلد في قرملة بالشرقية عام 1889، وتزوج في سن السادسة عشرة، فكانت حياته خارج إطار الرفاهية أقرب إلى تضحية كبيرة من أجل حلم كرة القدم. ورغم التحديات التي واجهها خارج ملاعب مصر، نجح في بناء مسار يعكس قدرته على مزج المواهب بالجرأة في السير نحو الأمام. سطع نجمه في أندية إنجليزية وتحديداً مع نادي دولويتش هامليت قبل أن يعود إلى مصر ليقود الثورة الكروية هناك.
كان حجازي راوغ بذكاء فطري محولاً الكرة إلى عرض يكشف موهبته أمام الجمهور الإنجليزي، وتسبب في معركة قانونية بين الأندية للحصول على خدماته عقب تألقه مع فولهام وتسجيله هدفاً في مباراته الأولى. عاد إلى الوطن ليقود ثورة كروية في مصر، متنقلاً بين الأهلي والزمالك في رحلات مكوكية هدفها نشر عقيدة الكرة ومبادئها. لم يكن انحيازه للكرة مرتبطاً بلون القميص بقدر ارتباطه بالقيم والمبادئ، إذ اصطدم بإدارة الأهلي مرتين ورفض الخضوع للبروتوكولات الملكية في واقعة الكأس السلطانية 1928 التي كلفته الحرمان من الأولمبياد. كان حجازي “رجل المهمات السبعة”، فهو اللاعب والمدرب والقائد وعضو مجلس إدارة الاتحاد المصري، واضعاً حجر الأساس للكرة المصرية الحديثة بصفته الأب الروحي لها.
الأسطورة التي روضت ملاعب الإنجليز
في إنجلترا، لم يكن حجازي مجرد لاعب عابر؛ بل أُطلق عليه الإعلام “الملك المصري” بسبب موهبته وسرعته الفائقة، فظهر كأيقونة نادي دولويتش هامليت. أحدث تألقه في المدينة تأثيراً قانونياً واقتصادياً، إذ اندلعت معارك قانونية بين الأندية سعياً لخدماته بعد تألقه مع نادي فولهام وتسجيله هدفه الأول في مباراته الأولى. أسهمت هذه التجارب في تمهيد الطريق أمام انتشار كرة القدم المصرية بين قارات العالم، فكان رمزاً لإمكانية تقديم كرة مصرية رفيعة المستوى في أوروبا.
قادته رحلته إلى أن تعود إلى مصر وتعلن تمصير اللعبة وتبني مبادئها، فهو لم يغير كيانَه وإنما حول أسلوب اللعب إلى منظومة قيم ومبادئ لنهج تدريبي وإداري جديد. واجه نهاية مسيرته الرياضية في المجتمع الإنجليزي بتواضع ومسؤولية، وظلت قصته حاضرة كمصدر إلهام لأولئك الذين يسعون إلى الجمع بين الإبداع والالتزام. جميع من عاشوا تلك الحقبات يدركون أن دوره كان بداية لمرحلة جديدة في تاريخ الكرة المصرية تُمكِّن الأجيال من الإيمان بأن الحلم يمكن أن يتجاوز حدود الوطن.
لغز المقتنيات المسروقة والنهاية الصامتة
اعتزل حجازي عام 1932 وهو يرسخ قواعد اللعبة، لكن حياته الخاصة بقيت طي الكتمان حتى كشف حفيده عن حقائق من تاريخ العائلة. توفي في عام 1961 في منزله بحي عابدين، وتردّد أن مقتنياته وتاريخه المسجّل فُقدت في حادثة دفنت كثيراً من وثائق العمل الرياضي. رغم محاولات النسيان وتغيير اسم النادي في قريته، ظل اسمه أسطورة تؤكد أن الكرة المصرية سبقت مجايلها في روادها وتضحية شعبها، وأن إرثه يشكل إلى اليوم علامة للإصرار والتحدي في مسار الرياضة في مصر.