من النيل للفرات وعد لأبناء إبراهيم وليس أبناء إسرائيل

بقلم – صموئيل العشاي:

أطلّ علينا مايك هاكابي في حوارٍ مطوّل مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون. ولم يكن اللقاء عابرًا، بل أثار نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والدينية، وتناول ما يُعرف بوعد الله لإبراهيم بأن يرث نسله الأرض من النيل إلى الفرات

أن هذا الوعد، في جوهره الإيماني، لا يمكن اختزاله في خريطة سياسية أو حدودٍ تُرسم بقرارات بشرية، بل هو نصٌّ مقدّس ينبغي أن يُقرأ في ضوء سياقه الروحي واللاهوتي، لا في إطار صراعات الواقع المعاصر.

فالوعود الإلهية في الكتاب المقدس ليست وثائق ملكية، ولا تفويضًا جغرافيًا مفتوحًا، بل هي تعبير عن أمانة الله وعهده مع الإنسان، وعن دعوته الدائمة إلى الإيمان والطاعة والبرّ. والوعد في المفهوم الكتابي يرتبط دومًا بالبركة، وبمسيرة خلاصٍ تتجاوز المكان إلى المعنى، وتتخطى الحدود إلى القلب.

وإبراهيم – أبو الإيمان – ليس رمزًا قوميًّا لطائفة بعينها، بل هو جذرٌ روحيٌّ مشترك يجمع المؤمنين من اليهود والمسيحيين والمسلمين على حدٍّ سواء.  

إن قراءة الوعد في ضوء الإيمان المسيحي تقودنا إلى فهمٍ أعمق: الأرض ليست غاية في ذاتها، بل ساحة شهادةٍ وأمانة. والبركة الإلهية ليست امتيازًا يُحتكر، بل نعمة تُثمر سلامًا وعدلًا ومحبة. فالله في الكتاب المقدس هو إله العهد، الذي يدعو إلى الوفاء، ويحفظ المواثيق، ويأمر بمحبة الغريب، ويقيم السلام أساسًا للعلاقة بين الشعوب.

وعبر التاريخ، اختلفت التأويلات حول طبيعة هذا الوعد: هل هو وعدٌ روحيٌّ يتحقق في مسيرة الإيمان؟ أم وعدٌ تاريخيٌّ ارتبط بمرحلة زمنية محددة؟ لكن حتى في أكثر القراءات حرفية، لم يكن النص يومًا دعوة إلى الإقصاء أو إلغاء واقع الدول، ولا تبريرًا لفرض الحدود بالقوة. فالروح الكتابية، في جوهرها، تُعلي قيمة العدل والرحمة، وتربط السلطة بالمسؤولية، لا بالهيمنة.

وأقول للسفير الامريكى وهو شخص مسيحي انه في الإيمان المسيحي تحديدًا، تتجلى رسالة الإنجيل في دعوة صريحة إلى السلام وصنع المصالحة. فالمسيح – الذي هو محور الرجاء المسيحي – أعلن أن «طوبى لصانعي السلام»، وجعل المحبة أساسًا للعلاقة بين البشر. ومن هذا المنطلق، يصبح أي فهم للوعد الإلهي ينبغي أن يُقاس بميزان المحبة والعدل، لا بميزان الصراع.

إن تحويل النصوص المقدسة إلى شعارات سياسية معاصرة يُغفل حقيقة أساسية: أن النظام الدولي الحديث يقوم على سيادة الدول والاتفاقات المتبادلة، وأن استقرار الشعوب يتحقق بالتعايش والاحترام المتبادل، لا بالتأويلات المتنازعة. والنص المقدس، حين يُفهم في روحه الأصيلة، يدعو إلى السكينة لا إلى التوتر، وإلى البناء لا إلى الهدم.

إن الوعد، في أعمق معانيه، هو وعدٌ بالبركة التي تُثمر سلامًا. هو دعوة لأن يكون أبناء إبراهيم شهودًا للحق، وعاملين في حقول العدل، وساعين إلى المصالحة بين القلوب قبل الحدود. فالأرض في المنظور الإيماني ليست ملكًا لطائفة، بل أمانة في يد الإنسان، يُحاسَب عليها بقدر ما يعمّرها بالخير.

وهكذا، إذا كان لوعد إبراهيم معنى معاصر، فهو أن يتحول الانتماء الروحي المشترك إلى جسر تواصل، وأن يكون الإيمان دافعًا للتفاهم لا سببًا للتنازع، وأن تُقرأ النصوص المقدسة بروحها الرحيمة التي تُعلي شأن السلام، وتدعو إلى أن يسكن البرّ في الأرض كما في السماء.

فالسلام – في النهاية – هو الثمرة الحقيقية لكل وعدٍ إلهي، والبركة الحقيقية لا تُقاس باتساع الأرض، بل باتساع القلب بالمحبة والإيمان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى