وزارة العدل في عهد المستشار محمود حلمي الشريف: إصلاح ينهض، ورقمنة تتجدد، وتكامل مؤسسي يرسّخ دولة القانون

مع تولّي المستشار محمود حلمي الشريف حقيبة وزارة العدل في فبراير 2026، ضمن التعديل الوزاري لحكومة مصطفى مدبولي، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكّل في مسار العدالة المصرية؛ مرحلة يغلب عليها الطموح العملي، والانحياز الواضح للتطوير المؤسسي، والوعي العميق بتحديات العصر.

الوزير الجديد لا يأتي من خارج البيت القضائي، بل هو أحد أبنائه الذين تشكّل وعيهم في ساحاته. فمنذ تخرّجه في كلية الحقوق عام 1987 وعمله معاونًا بالنيابة العامة، مرورًا بتدرّجه في مختلف المناصب القضائية حتى بلوغه منصب نائب رئيس محكمة النقض، ثم اضطلاعه بعدد من مهام مساعد وزير العدل في فترات سابقة، وصولًا إلى مشاركته في مسؤوليات وطنية بارزة كنائب رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات ورئاسة غرف عمليات الانتخابات، ظلّ اسمه مقترنًا بالانضباط والكفاءة والالتزام المؤسسي.

ومنذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، بدا واضحًا أن الرؤية المطروحة لا تقتصر على إدارة تقليدية للملف القضائي، بل تنطلق من تصور شامل يقوم على ثلاثة محاور متكاملة: إصلاح مؤسسي ينهض بالأداء، رقمنة متجددة تُسرّع الإجراءات، وتكامل بين مؤسسات الدولة يعزّز هيبة القانون ويُرسّخ دعائم دولته.

أولًا: إصلاح ينهض بالمنظومة القضائية

ينطلق نهج الوزير من قناعة راسخة بأن العدالة الناجزة هي حجر الزاوية في استقرار الدولة وثقة المجتمع. ومن ثمّ، يركّز على رفع كفاءة المحاكم، وتقليل المدد الزمنية للفصل في القضايا، وتحسين آليات توزيع العمل، بما يضمن سرعة الإنجاز دون المساس بضمانات التقاضي.

كما يولي اهتمامًا خاصًا ببيئة العمل داخل المؤسسات القضائية، إدراكًا منه أن تطوير الأداء يبدأ من تطوير الإنسان. فالتدريب المستمر، وصقل المهارات، وتحديث آليات الإدارة، عناصر لا تنفصل عن أي إصلاح حقيقي. وفي هذا السياق، يبرز البعد الإنساني في شخصية الوزير، المعروف داخل الوسط القضائي بلقب “قاضي الرحمة”، وهو لقب يعكس مزيجًا من الحزم القانوني والرؤية الأخلاقية، ويمنح مشروع الإصلاح بعدًا إنسانيًا يتجاوز الجوانب الإجرائية.

ثانيًا: رقمنة تتجدد وتتسارع

التحول الرقمي لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر. وفي هذا الإطار، شهدت المرحلة الأولى من عهده خطوة مهمة بتوقيع بروتوكول تعاون بين وزارة العدل ومحكمة النقض والنيابة العامة لإطلاق منظومة إلكترونية مؤمّنة لتداول قضايا الجنايات والجنح المطعون فيها بالنقض.

تمثل هذه المنظومة نقلة نوعية في آليات العمل، إذ تتيح تبادل المستندات والأحكام إلكترونيًا بصورة مؤمّنة، بما يختصر الوقت، ويخفض التكاليف، ويقلل احتمالات الخطأ البشري، ويرفع من مستويات الشفافية والكفاءة. وهي خطوة تأتي ضمن استراتيجية أوسع للتحول الرقمي الشامل، تشمل تطوير بوابات التقاضي الإلكتروني، وإتاحة الخدمات القضائية عن بُعد، وربط قواعد البيانات بين الجهات المعنية في إطار مؤسسي متكامل.

فالرقمنة هنا ليست مجرد تحديث تقني، بل رؤية لإعادة هندسة الإجراءات القضائية بما يجعل العدالة أكثر سرعة ومرونة واستجابة لاحتياجات المواطنين.

ثالثًا: تكامل مؤسسي يرسّخ دولة القانون

يدرك الوزير أن دولة القانون لا تُبنى بجهد جهة واحدة، بل بتكامل منظم بين مؤسسات الدولة كافة. ومن ثمّ، يعمل على تعزيز التنسيق بين وزارة العدل والجهات القضائية المختلفة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن توحيد الرؤى، وتسريع تنفيذ الأحكام، وحماية حقوق المتقاضين.

ويمتد هذا التكامل إلى الارتباط بالاستراتيجيات الوطنية الكبرى، خاصة مسار التحول الرقمي للدولة المصرية وخطط التنمية المستدامة، بحيث تصبح العدالة شريكًا فاعلًا في دعم الاستثمار، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.

ختامًا

إن عهد المستشار محمود حلمي الشريف في وزارة العدل يقدّم نموذجًا لقيادة قضائية تجمع بين خبرة الماضي ومتطلبات المستقبل. إصلاح مؤسسي يرفع كفاءة الأداء، رقمنة واعية تواكب روح العصر، وتكامل مؤسسي يعمّق جذور دولة القانون.

وإذا استمر هذا المسار بنفس الوتيرة والإصرار، فإن منظومة العدالة المصرية مرشّحة لأن تخطو خطوات أوسع نحو ترسيخ ثقة المواطن، وتعزيز الاستقرار القانوني، لتكون ركيزة أساسية في بناء الجمهورية الجديدة ودعم مسيرة التنمية في مصر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى