ناهد صلاح تكتب عن فن الحرب ويوسف الشريف واستراتيجية التحول

يطرح المسلسل فن الحرب فكرة أن الحرب ليست ساحة رصاص بل ساحة عقول، حيث يتحول الصراع إلى معركة نفسية وتخطيطية تتجاوز المواجهات الخارجية. يؤكد العمل أن الحروب تُدار هنا كاستراتيجية تقودها المواقف العقلية والأخلاقية للشخصيات. يعتمد البناء على طبقة ظاهرية من الصراع المباشر وطبقة أعمق تحرك الشخصيات بدوافع نفسية وأخلاقية. بهذا يصبح العنوان مفتاح القراءة: الحرب ليست ساحة رصاص بل ساحة عقول.
فكرة الحرب كصراع عقلي
يُبنى السيناريو على هندسة طبقية واضحة، طبقة أولى ظهوره في صراع مباشر، وطبقة ثانية تتحرك بدوافع داخلية ونفسية. يشير الكاتب عمرو سمير عاطف وفريق الكتابة إلى أن العمل لا يعتمد فقط على الصدمة المفاجئة، بل يعتمد على التراكم البطيء للمعلومة وتعرية الشطرنج حلقة بحلقة. كل حلقة تكشف جزءًا من الخطة وتتيح للمشاهد المشاركة بنشاط تفكيري، مع ملاحظة أن البناء في بعض الشواهد يميل إلى الشرح الزائد في فقرات محدودة. وتظل النتيجة أن العمل يعزز قراءة المشاهد كطرف فاعل لا كمجرد متفرج.
الأداء والشخصيات
يظهر يوسف الشريف في مستوى مختلف، فهو يتخلى تدريجيًا عن نبرة البطل المعصوم ليقدم شخصية أكثر هشاشة وارتباكًا. يتاح له مساحات صمت تؤكد القلق الداخلي وتخفيف حدته الصوتية لتكون تمهيدًا لمسار نفسي، وليس فقط عرض ذكاءه. كما أن حضوره الرمزي يساهم في ربط جيل الشباب بمشروعه، حيث يرى فيه جمهور الفكر شريكًا في رحلة أسئلة معقدة، لا مجرد بطل خارق. وفي الأداء الجماعي، تقدم شيري عادل دور مي بتوازن بين القوة والقلق، وتنجح في خلق تفاعل هادئ مع يوسف الشريف بعيدًا عن الكليشيهات الرومانسية. ريم مصطفى تقدم ياسمين كخصم مفاجئ يميل إلى البرود الفكري لا الانفعال العاطفي.
الإخراج والصوت
اعتمد المخرج محمود عبد التواب إيقاعًا محكمًا يوازن بين التوتر النفسي والحركة دون الإفراط في الإثارة البصرية، مع استخدام زوايا تصوير وألوان دقيقة تعكس الحالة النفسية للشخصيات. وضع شادي مؤنس موسيقى تصويرية تعزز الجو وتتصاعد تدريجيًا مع الصراع، ما يسهم في تعزيز الإحساس بالومض في الصراع. بهذا التوليف البصري والصوتي، تصبح الحرب داخلية بقدر ما هي خارجية، وتظل حالة التوتر شبه دائمة. يشير هذا التوليف إلى قدرة العمل على توسيع دائرة يوسف الشريف الفنية والحفاظ على تماسكه كشخصية محورية.
الخلاصة
في المحصلة، يمثل فن الحرب إضافة مهمة إلى مشروع يوسف الشريف، حيث يوازن بين جاذبية التشويق وعمق الأسئلة الفكرية. لا يقدم العمل بطلًا تقليديًا فحسب، بل يتيح للجمهور رؤية قلق جيل جديد وطموحه وصراعاته، مما يفسر استمرار ارتباطه كحالة فنية تتجدد مع التجربة. يظهر الشريف هنا كفنان قادر على إعادة تعريف صورته أمام جمهور أوسع عبر حضوره الرقمي وتواصله المستمر، مع الحفاظ على النضج والإنسانية في الأداء. وتضيف مشاركة بقية فريق التمثيل عمقًا وتوازنًا يجعل المسلسل أقرب إلى تجربة تفكير أكثر من مجرد مسلسل إثارة.