صورة تختصر آلاف المقالات عن الوحدة الوطنية

بقلم – صموئيل العشاي:
في ليلةٍ رمضانيةٍ دافئة، كان المشهد أكبر من مناسبة، وأوسع من حدث، وأعمق من احتفال. كان عيدًا للوحدة الوطنية، ورسالة حبٍّ صادقة خرجت من القلوب قبل أن تُلتقط بعدسات الكاميرات. أكثر من 150 ألف مشارك اجتمعوا على مائدة الإفطار، في لوحة إنسانية مبهجة تؤكد أن هذا الوطن يجمع أبناءه تحت راية واحدة، مهما اختلفت الخلفيات أو تنوعت المشارب.
لم يكن الإفطار مجرد تجمعٍ جماهيري، بل مناسبة وطنية بامتياز، عكست روح التلاحم بين أبناء المنطقة. ومن بين الحاضرين، شارك الآلاف من الأقباط في هذا الحدث، في مشهدٍ يجسد عمق النسيج المصري الأصيل، ويؤكد أن الهلال والصليب يلتقيان دائمًا في وطن واحد، على أرض واحدة، وتحت سماء واحدة.

وبرز وسط الحشود رجل بسيط، اختارته وسائل الإعلام ليكون رمزًا لهذه اللحظة المضيئة. مسيحي حضر الإفطار واضعًا صليبًا على صدره، لكن ما ميّزه حقًا لم يكن مظهره، بل مواقفه. لم يسعَ إلى لفت الأنظار، بل اختار أن يجلس وسط الصفوف، وأن يشارك بنفسه في تجهيز طعام الإفطار للصائمين، يعمل بيديه، ويبتسم لمن حوله، ويخدم بروحٍ صافية.
بينما توجه بعض السفراء ورجال السياسة لالتقاط الصور وتوثيق اللحظة، اختار هو أن يكون في قلب الخدمة، قريبًا من الناس، يساعد في الإعداد ويشارك في التفاصيل الصغيرة التي تصنع فرحة كبيرة. كان حضوره رسالة عملية تقول إن الوحدة ليست كلمات تُقال، بل سلوك يُمارس، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه لا بما يظهر في الصور.
لقد كانت صورته تختصر آلاف المقالات عن الوحدة الوطنية. صورة رجل بسيط يخدم بجوار الجميع، دون تفرقة أو تمييز، تؤكد أن هذا الشعب العظيم يعرف طريقه إلى التآخي بالفطرة، وأن المحبة بين أبنائه ليست شعارًا موسميًا، بل حقيقة راسخة عبر الأجيال.
شكراً لكل من شارك في هذا الحدث العظيم، وشكراً لكل يدٍ ساهمت في إعداده، وشكراً لذلك الرجل الذي جسّد بروحه المتواضعة معنى الانتماء الحقيقي. لقد أثبت هذا الإفطار أن عندما يجتمع الناس على الخير، تتحول الموائد إلى جسور، وتصبح اللحظات رسائل أمل، وتبقى الوحدة الوطنية هي العنوان الأجمل لهذا الوطن.