إيران تطلب العفو عن نتنياهو.. نكتة أم حقيقة مرة؟

بقلم – صموئيل العشاي:
ربما يكون هذا العنوان الأكثر إثارةً للضحك في الوقت الحالي، حين تتحرك الحكومة الإيرانية لتطلب من الرئيس الإسرائيلي العفو عن رئيس وزرائه، نفس الرجل الذي دأبت طهران على شتمه والتهديد بتدميره على مدار سنوات طويلة.
ما الذي يحدث بالضبط؟
نتنياهو يعيش اليوم ضغطاً قانونياً كبيراً من أكثر من اتجاه في نفس الوقت. على المستوى الداخلي، يواجه اتهامات بالفساد والرشوة وخيانة الأمانة في ثلاثة ملفات، وإن ثبتت إدانته فإنه سيذهب إلى السجن حتماً. أما على المستوى الدولي، فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 أمر اعتقال بحقه بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد المدنيين في قطاع غزة.
الملفات الثلاثة.. قصة فساد بثلاثة فصول
الصورة تتضح أكثر حين ننظر في تفاصيل هذه الملفات:
الملف 1000 يتعلق بأن نتنياهو وعائلته كانوا يأخذون هدايا غالية من رجال أعمال، مقابل مساعدتهم وتقديم تسهيلات لهم. أما الملف 2000 فيتضمن اتهامه بأنه اتفق مع صاحب صحيفة “يديعوت أحرونوت” على أن تمدحه الصحيفة مقابل خدمات يقدمها لها. وفي الملف 4000، يُتهم بأنه ساعد صاحب موقع “واللا” الإخباري وشركة “بيزك” للاتصالات، مقابل أن يكتبوا عنه بصورة جيدة.
هذه المحاكمة بدأت عام 2020 ولا تزال تسير حتى اليوم، فيما يرفض نتنياهو كل هذه الاتهامات ويقول إنها مؤامرة سياسية لإسقاطه.
نتنياهو والهروب من المحكمة
ما يلفت الانتباه ليس المحاكمة وحدها، بل الطريقة التي يتعامل بها نتنياهو معها. فقد تغيّب أكثر من مرة عن جلسات المحكمة بحجة السفر أو الانشغال بالحرب على غزة، وقال في إحدى المرات إنه لا يستطيع أن يدير عمله ويحضر المحاكمة في نفس الوقت، وكأن الحرب أصبحت عذراً مريحاً لتأجيل موعده مع القضاء.
وحين ضاقت به الحلول، لجأ نتنياهو إلى خطوة أكثر جرأة، إذ طلب رسمياً العفو عنه في قضايا الفساد، بحجة أن ذلك “يخدم المصلحة العامة”، وأرسل رسالة للرئيس هرتسوغ يقول فيها إن الوضع يستوجب ذلك، وإن كان يفضل شخصياً إثبات براءته أمام المحكمة.
ترامب يتدخل.. وهرتسوغ يرفض
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل على الخط هو الآخر، وأرسل رسالة خاصة إلى الرئيس الإسرائيلي يطلب فيها “العفو الكامل” عن نتنياهو، واصفاً إياه بأنه “رئيس وزراء رائع وقوي في وقت الحرب”. لكن هرتسوغ رفض في كل مرة، ويبدو أنه مصمم على أن يأخذ القانون مجراه بعيداً عن ضغوط السياسة وطلبات الحلفاء.
المعارضة الإسرائيلية بدورها هاجمت فكرة العفو بشدة، وطالب يائير لابيد زعيم المعارضة هرتسوغَ برفضها، وقال إن أي عفو يجب أن يشترط على الأقل أن يعترف نتنياهو بما فعله، ويعتذر، ويترك السياسة نهائياً.
والمفارقة الكبرى
أن المنطقة وصلت اليوم إلى وضع يمكنك فيه أن تتخيل مشهداً غريباً جداً: الدول العربية وإيران معاً، وهم الذين يتشاجرون ويتنافسون على كل شيء منذ عقود، يجتمعون فجأة على هدف واحد وهو إبقاء نتنياهو خارج السجن. والسبب بسيط: بقاؤه في السلطة يعني استمرار الفوضى والحروب، وهذا بالضبط ما يحتاجه كل طرف ليبرر تحركاته ومشاريعه في المنطقة.
تبدو هذه الصورة في البداية وكأنها نكتة يرويها المحللون في جلساتهم، لكنها في الحقيقة تعكس واقعنا الذي نعيشه. رجل واحد متهم بالفساد، تحيط به منظومة إقليمية كاملة تجد مصلحتها في بقائه حراً طليقاً، حتى لو لم يجرؤ أحد على قول ذلك بصوت عالٍ.