الفاينانشال تايمز .. الحرس الثوري ينهض من جديد: القوة التي لا تزال تشكل إيران

إذا نجا النظام، يعتقد المتشددون أن نفوذ الحرس الثوري سيصبح أكبر من أي وقت مضى.
نجمه بزركمهر – طهران
أندرو إنجلاند – لندن
بعد خوض حرب استمرت ثماني سنوات مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، عاد الحرس الثوري الإيراني من ساحات القتال مطالبين بمزيد من النفوذ داخل النظام الذي دافعوا عنه. وقد لبّى المرشد الأعلى آنذاك آية الله علي خامنئي هذا الطلب.
اليوم يخوض الحرس الثوري معركة وجودية جديدة، هذه المرة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد قُتل المرشد الأعلى خامنئي، وتعرضت القيادات العليا للحرس لضربات قاسية، كما تم تدمير مقر القيادة الرئيسي للقوة.
ومع ذلك، إذا بقي الحرس قائماً بعد القصف، فقد تؤدي الحرب ببساطة إلى تسريع سمة أساسية في تاريخ إيران الثورية: وهي صعود الحرس الثوري على مدى أربعين عاماً ليصبح المؤسسة العسكرية الأبرز في الجمهورية الإسلامية، مع نفوذ واسع في الاقتصاد والسياسة.
وكانت التطورات السياسية قد تسارعت في أعقاب مقتل المرشد الأعلى، حيث تم اختيار مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، مرشداً أعلى جديداً لإيران، في خطوة قيل إنها جاءت بدعم وضغط واضح من الحرس الثوري الإيراني الذي يسعى إلى ضمان استمرار نفوذه في بنية السلطة خلال مرحلة الحرب والتحولات التي تمر بها الجمهورية الإسلامية.
كان الحرس الثوري – المعروف اختصاراً بـ IRGC – بمثابة دولة داخل الدولة تقريباً حتى قبل الحرب. وبعد انتهائها، يعتقد بعض المقربين من النظام أن القليل فقط سيقف في طريق هذه المؤسسة وهي تشكل المرحلة المقبلة من تاريخ الجمهورية.
وقال أحد المطلعين على النظام:
“سيصبح الحرس أكثر قوة – لكن ليس هم فقط. إيران نفسها ستصبح أقوى، لكن بأسلوب ونهج مختلفين”.
وأضاف أنه رغم عدم وجود “مغامرات عسكرية”، فإن الاتجاه واضح:
“إيران ستصبح أكثر تشدداً”.
الحرس الثوري هو قوة النخبة العسكرية في الجمهورية الإسلامية، ويملك جهازاً استخباراتياً واسعاً وشبكة اقتصادية ضخمة ومئات الآلاف من الأفراد. ولهذا السبب أصبح الحرس وقادته أهدافاً رئيسية للقصف الأمريكي والإسرائيلي. وقدرتهم على الصمود أمام هذا الهجوم ستكون عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان النظام سيبقى أم لا.
منذ اغتيال خامنئي، يحاول مجلس قيادة ثلاثي – يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورجل دين بارز، ورئيس السلطة القضائية – إدارة البلاد خلال مرحلة الانتقال.
يتعاون المجلس مع القوات المسلحة، لكن الخبراء يقولون إن الحرس الثوري والجيش هما من يقودان الجهد الحربي فعلياً.
وكان بزشكيان، وهو إصلاحي، قد اعتذر لدول الخليج عن الهجمات التي تعرضت لها يوم السبت، وقال إن القوات الإيرانية ستتوقف عن ضربها طالما لم تنطلق الهجمات على إيران من أراضيها. ومع ذلك، استمرت الضربات ضد بعض الدول العربية.
حتى في ظل القصف، من المتوقع أن يلعب الحرس الثوري دوراً حاسماً في اختيار المرشد الأعلى القادم. وقد تكهن بعض المحللين الإيرانيين قبل اندلاع الحرب بأن وفاة خامنئي قد تؤدي إلى تعديلات دستورية تسمح بظهور شخصية من الحرس الثوري كحاكم فعلي للجمهورية.
لكن في ظل معركة بقاء يخوضها النظام، ينصب تركيز القيادة حالياً على الدفاع عن الجمهورية.
أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة خامنئي – وهو ابنه مجتبى خامنئي – تربطه منذ فترة طويلة علاقات وثيقة مع كبار ضباط الحرس الثوري.
هناك أيضاً تداخل كبير بين النخبة العسكرية والنخبة السياسية. فكثير من كبار المسؤولين هم في الأصل من قدامى الحرس الثوري، مثل علي لاريجاني ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي أصبح يلعب دوراً أكثر بروزاً في الفترة الأخيرة.
وقال ولي نصر، المسؤول الأمريكي السابق وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، إن الحرس الثوري يختلف عن الجيوش في مصر أو باكستان، التي أظهرت في أوقات كثيرة ازدراءً للقيادات المدنية واستولت على السلطة أثناء الأزمات السياسية.
وأضاف:
“هنا يخطئ الأمريكيون في فهمهم للحرس الثوري، فهم يعتقدون باستمرار أنه سينقسم أو سينشق. لكن الحرس يرى نفسه مدافعاً عن هذا الدستور، ويرى أن الدفاع عن النظام هو نفسه الدفاع عن الدولة”.
يعتمد النظام الإيراني الفريد، الذي تأسس بعد الثورة الإسلامية عام 1979، على عقيدة ولاية الفقيه المستندة إلى الإسلام السياسي الشيعي، والتي تبرر حكم رجال الدين تحت قيادة المرشد الأعلى.
يتم انتخاب المرشد الأعلى من قبل مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة تضم 88 رجل دين. لكن أنصار النظام يعتقدون أن اختياره يتم في النهاية بإرادة إلهية، وأن جميع مؤسسات الدولة – بما في ذلك الجيش – يجب أن تخدم هذه الأيديولوجيا.
كان الحرس الثوري المدافع الأكثر ثقة لدى خامنئي عن الجمهورية في الداخل والخارج، حيث عمل على بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، معظمهم من الجماعات الشيعية المسلحة.
وقال محسن ميلاني، مؤلف كتاب صعود إيران وتنافسها مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط:
“كنت دائماً أنظر إلى الحرس ورجال الدين، وخاصة المرشد الأعلى، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة”.
وأضاف:
“ربما يحدث انفصال بينهما في المستقبل، لكن طالما استمرت الحرب فمن غير المرجح أن نرى تغييراً في طبيعة أو مهمة الحرس الثوري”.
لكنه أشار أيضاً إلى أن الحرب غيرت إيران، وأن “الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة غير مسبوقة”.
حالياً، يتم اتخاذ القرارات في زمن الحرب من قبل مجلس القيادة ومجلس الأمن القومي الأعلى، الذي يرأسه بزشكيان، بينما يشغل لاريجاني منصب أمينه ويعد شخصية أساسية في قمة هرم السلطة.
وقال ميلاني:
“الجمهورية الإسلامية ليست نظام رجل واحد. لقد أصبحت نظاماً مؤسسياً مع مراكز قوة متعددة وطبقات مختلفة من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وقد صُمم منذ البداية ليصمد أمام الهجمات الخارجية”.
لكن ولي نصر يرى أن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما يحين وقت اتخاذ القرار الكبير:
هل يجب إنهاء الحرب أم لا؟
هل يجب الاستسلام أم لا؟
أم قبول وقف إطلاق النار؟
وأوضح أن خامنئي كان يستطيع اتخاذ مثل هذه القرارات بمفرده ويتبعه النظام، لكن غيابه قد يختبر قدرة النظام على إدارة قرار كبير من دون وجوده.
وقال مصدر داخل النظام إن القيادة وضعت قبل الحرب إطاراً لاتخاذ قرار وقف إطلاق النار إذا أصبح ذلك ضرورياً.
خلال العامين الماضيين تعرض الحرس الثوري لضربات قاسية من إسرائيل، بما في ذلك مقتل عشرات القادة الكبار في إيران وسوريا ولبنان. كما شكل الاختراق العميق للاستخبارات الإسرائيلية داخل إيران إهانة كبيرة للنظام.
قُتل القائد الأعلى للحرس الثوري حسين سلامي في الساعات الأولى من الحرب في يونيو، كما قُتل خليفته محمد باقري قبل أسبوع في قصف استهدف مجمع خامنئي في طهران.
ويبدو أن أحمد وحيدي، نائب قائد الحرس وأحد قدامى حرب إيران والعراق في الثمانينيات، يتولى إدارة العمليات حالياً، رغم أنه لم يُعلن رسمياً قائداً ولم يظهر علناً.
ومع ذلك، أثبت الحرس أنه لا يزال يمتلك القدرة على إحداث فوضى في المنطقة، حيث نجح في استهداف قواعد وسفارات ومطارات ومنشآت طاقة أمريكية، رغم شبكة الدفاعات الجوية الأمريكية الواسعة، كما أطلق موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل.
وقال مصدر آخر قريب من النظام:
“الأسماء لم تعد هي المهمة الآن. المهم أن الحرب تُدار وأن الدولة ما زالت تعمل، وهذا دليل على وجود نظام منسق”.
وأضاف:
“الحرس يستعرض قوته في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ويرى في ذلك إنجازاً. هم ليسوا غير راضين”.
وفي ظهور نادر خلال زمن الحرب قال أمير حيدري، نائب قائد مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري للتلفزيون الرسمي:
“سنكون نحن من ينهي هذه الحرب. سنفعل ذلك عندما نشعر أننا فرضنا إرادة شعبنا على العدو وانتقمنا لقائدنا الشهيد ولشعبنا”.
يبقى السؤال الحاسم هو إلى متى يستطيع الحرس الثوري مواصلة الرد العسكري.
ويرى ميلاني أن القوى الأكثر اعتدالاً داخل النظام قد تحاول استغلال الأزمة لإعادة تعزيز نفوذها. لكن الواقع أن الحرب تزيد من تأثير الاعتبارات العسكرية على عملية صنع القرار.
ويقول محللون إن الموقف القومي المتشدد قد يحدد المسار المستقبلي للجمهورية.
وعندما تنتهي الحرب، إذا بقي النظام قائماً، فمن المتوقع أن يقدم الحرس الثوري دوره باعتباره انتصاراً: فقد واجه أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط وأقوى دولة في العالم ولم يستسلم.
وقال ميلاني:
“من المرجح أن يقولوا إنهم قاتلوا القوة العظمى الوحيدة في العالم وأقوى آلة عسكرية في الشرق الأوسط – ولم يرضخوا”.