تزامنًا مع رأس الأفعى: 16 عامًا حولت محمود عزت من مراهق مغترب إلى مرشد الظلام

تروي هذه السلسلة حياة محمود عزت منذ بلوغه السادسة عشرة، حين كانت شوارع القاهرة تمتلئ بموسيقى العروبة وأحلام النهضة الكبرى. انتقل مع أسرته في تلك السنة إلى حي مصر الجديدة، فواجه صداماً حضارياً ونفسياً يزلزل مواقفه المراهقة. وجد نفسه محاطاً بجماعة سرية تنشر خطاباً متشدداً وتعده بنظام مختلف عن قيمه.
بدلاً من أن يندمج في المجتمع الجديد، انعزل داخل نفسه واعتبر كل مظاهر الحداثة جهالة يجب اعتزالها. شكّلت هذه الحدة الفكرية عقدة نقص تحولت مع الوقت إلى حقد طبقي وفكري ضد الدولة المدنية. بنى في نفسه جداراً من العزلة صار أقوى من أي سجن، وسيكون هذا التمزق النفسي أساساً لصيرورته لاحقاً.
ناصر يبني السد وعزت يبني الكراهية
كان عام 1960 رمزاً للصعود القومي، حيث كان جمال عبد الناصر يحول مصر إلى قوة بارزة على المسرح العالمي. أعلن في يناير عن السد العالي كمشروع وطني يعزز كرامة المصريين ويثبت قدراتهم على تحدي المستحيل. ارتفعت شعارات الوطنية وتزايدت آمال الوحدة العربية والتصنيع في البلاد.
ومع أن هذه الإنجازات رفعت من مكانة مصر، كان عزت يعبر في غرفته عن حنق تجاه السد والتأميم، معتبرًا أن كل ذلك أداة لفرض سلطة لا يروق له وجودها بجانب جماعته. رأى في المصانع والارتباط مع سوريا وسائل لتقوية النظام القائم، متجاهلاً أثرها في المجتمع وتقدم الوطن. اتسعت لديه صورة وطنية مشوهة يميز فيها التراب إذا لم يحكمه تنظيمه.
بينما كان المصريون يهتفون «يا ناصر يا حبيب الشعب»، جلس عزت في غرفة مظلمة يشرب من بيانات الجماعة التي تصفه بالطاغية، فيدفعه ذلك إلى العداء للمشروع الوطني. حوّل ذلك العداء إلى تفسير يبيّنه كخلفية لرفض المجتمع وتراجع قيم الدولة المدنية. داخل نفسه صار الوطن عنده مجرد تراب إذا لم يحكمه تنظيمه.
انكسار الجماعة.. والبحث عن رأس الأفعى
شهد عام 1960 المحنة الكبرى التي واجهت التنظيم حين كان محظوراً قانونياً وتعرض لملاحقة أمنية بعد محاولة اغتيال ناصر في حادثة المنشية. قادت هذه المحنة كبار القادة خلف القضبان، وتعرض التنظيم لشلل إكلينيكي. في ظل هذا المشهد قرر محمود عزت أن يكون «المرمم» لهذا البناء المنهار، لكن بأسلوب أكثر سرية وتكتيكاً فتكاً.
داخل السجون كان سيد قطب يكتب «معالم في الطريق»، وتلقف عزت هذه الأفكار بشغف المراهقة. وجد في تكفير المجتمع وتكفير الحاكم مبرراً لرفضه للمجتمع المصري الجديد ولحلمه بهدم الدولة الناصرية. ورأى في الجماعة عصابة مؤمنة تواجه مجتمعاً كافراً، فبدأ يرسم دوره القادم كذراع خفية يعتمد على الصبر الاستراتيجي و«التغلغل الهادئ».
إرث الكمون وحقد الزنازين
شكل عام 1960 عموداً في بنية شخصيته، فتعلم كيف يختبئ وراء قناع المواطن العادي وهو يعلن الولاء للمرشد فقط. اكتسب مهارة الالتفاف على المجتمع وتربية بذرة العنف كخيار عملي في نظره. هذه المراهقة المنعزلة هي التي أنتجت لاحقاً من يأمر بتفجير مديريات الأمن واغتيال النائب العام.
عكست سنوات السجون نمطاً من التفكير يرى في السوداوية بداية لعمل مخطط، فتعلم كيفية الاختباء خلف قناع المواطن العادي والتربص للفرصة. صقل نفسه ليظل جزءاً من المجتمع وهو يلتزم الولاء للمرشد فقط. هذه الفترة المنعزلة أسست لاحقاً لمنطق العنف ضد الدولة والمجتمع.
تظهر الحكاية أن الصدام بين مشروع بناء الدولة ومشروع هدمها ظل حاضراً، وأن عزت كان ينسج دوره بعيداً عن العلن حتى يحقق أهدافه. بقي السد العالي شاهداً على إخلاص الوطن، بينما ارتبط اسم عزت بالدم والخيانة في الوعي العام. وبينما ظلت الدولة التي حقد عليها صامدة في وجه التحديات، انتهى به المطاف أن يُعرف بأنه رأس الأفعى الذي بدأ نموه في سنوات المراهقة.