زينة حمدان تكتب : العيد

في العيد، لا يبدو الخبز مجرد طقسٍ منزلي… بل حكاية قديمة تُروى كل عام، نحاول أن نُبقيها حيّة، حتى لا يضيع منا شيءٌ منّا. الأمهات يعجنّ كما كنّ دائمًا، لكن إن تأملت قليلًا، ستشعر أن بين كفوفهن حنينًا أثقل من العجين… حنينًا لأيامٍ كانت أخف، أبسط، وأكثر دفئًا.
رائحة السمن والسكر لم تعد مجرد رائحة عيد… بل صارت بابًا يُفتح على الماضي. تعيدنا إلى وجوهٍ غابت، وضحكاتٍ كانت تملأ البيوت بلا خوف ولا حساب. كأننا لا نخبز فقط، بل نستدعي ما تبقى من زمنٍ كان يمرّ بهدوء، دون أن يترك في القلب هذا الثقل.
الأطفال يملأون المكان ضحكًا، يركضون بثيابهم الجديدة، كما كنا نفعل تمامًا… دون أن نعرف أن تلك اللحظات ستصبح يومًا كل ما نملك. ننظر إليهم بابتسامة، لكن في داخلنا شيءٌ يرتجف… لأننا نعرف، أكثر منهم، كيف يكبر العالم فجأة، وكيف تتغير الأشياء دون إنذار.
نقف في منتصف الطريق… لا نحن كما كنا، ولا نحن قادرون أن نكون كما أصبحنا بالكامل. نحرس فرحهم، نتمسك به، كأننا نحرس آخر ما تبقى من البراءة في هذا العالم. نحاول أن نُطيل لحظاته، ولو قليلًا… لأننا نعرف كم هو سريع الزوال.
أتذكر بيت جدتي… ليس كذكرى جميلة فقط، بل كملجأٍ لم يعد موجودًا. كل شيء هناك كان بسيطًا، لكنه كان كافيًا ليصنع سعادة لا تُشترى. كنا نضحك من القلب، بلا سبب، بلا قلق، بلا ذلك الصوت الخافت الذي يرافقنا الآن أينما ذهبنا.
العيديات لم تكن نقودًا… كانت فرحًا خالصًا، وعدًا صغيرًا بأن الحياة ما زالت بخير. كنا نأخذها ونركض، وكأن الدنيا كلها ملك أيدينا الصغيرة. لم نكن نعرف أن تلك اللحظات ستصبح فيما بعد وجعًا جميلًا… كلما تذكرناه، ابتسمنا ووجعنا في آنٍ واحد.
اليوم، تعود الذكريات… لكن ليس وحدها. تعود محمّلة بشوقٍ لا يُقال، وبإحساسٍ خافت أننا تركنا شيئًا خلفنا، ولم نستطع الرجوع إليه. كأن المسافة بين “زمان” و“الآن” ليست سنوات… بل قلبٌ تغيّر، وروحٌ تعبت من الفقد.
الزمن لم يمر فقط… بل أخذ منا شيئًا، وترك فينا شيئًا آخر. علّمنا كيف نخاف… لكن ليس على أنفسنا، بل على أولئك الصغار الذين يضحكون الآن بنفس البراءة التي كنا نملكها يومًا.
وربما هنا يكمن الحنين الحقيقي…
أنك لا تشتاق فقط لما مضى، بل تشتاق لنفسك كما كنت.