ذكرى رحيل محمد القصبجي: أضاف التشيلو والكونترباص للتخت الشرقي

يُحيي اليوم 25 مارس ذكرى التاسعة والخمسين لرحيل الموسيقار محمد القصبجي، أحد رواد التجديد في الموسيقى العربية. تُبرز هذه الذكرى مكانته كمرتكز في تاريخ الغناء العربي وتُبرز أثره في أجيال لاحقة. ترك ألحانه إرثاً طويلاً وأثر في تشكيل وجدان الجمهور وصُنِع به مجد كبار المطربين، وعلى رأسهم أم كلثوم وأسمهان.
وُلد محمد علي إبراهيم القصبجي في القاهرة في 15 أبريل 1892، ونشأ في عائلة موسيقية كان والدُه علي القصبجي مدرساً للعود وملحنًا لعدة فنانين. التزم بالعلم فحفظ القرآن ثم التحق بالأزهر لدراسة اللغة العربية والمنطق والفقه والتوحيد، قبل أن يلتحق بدار المعلمين ليصبح معلماً. عمل في التدريس بجانب احتراف الموسيقى ثم اتجه إلى المجال الفني مكرساً حياته للفن.
بداية العمل والتجديد
كان أول عمل تلحيني احترافي له دور ‘وطن جمالك فؤادي يهون عليك ينضام’ من كلمات الشيخ أحمد عاشور. وفي عام 1920 اتجه لتلحين الطقاطيق التي كتبها الشيخ يونس، ومنها ‘بعد العشا’ و’شال الحمام حط الحمام’. وفي عام 1924 كانت نقطة التحول بلقائه بأم كلثوم حين لحن لها أول أغنية وهي ‘آل إيه حلف مايكلمنيش’، ليظل يعاونها حتى آخر يوم في حياته.
كوّن القصبجي في عام 1927 فرقته الموسيقية التي ضمت أبرز العازفين مثل محمد العقاد للكمان وسامي الشوا للكمان، وكان هو عازف العود في الفرقة. ولم يلتزم بالتقليد فحسب، بل أضاف إلى فرقته آلة التشيلو والكونترباس الغربيتين. كما قدم ألحاناً للمسرح الغنائي والسينما، من بينها مسرحيات لمنيرة المهدية وألحاناً لأوبريت ‘نجمة الصباح’ مع نجيب الريحاني.
شراكة أم كلثوم العزف والإخلاص
لحن محمد القصبجي لأم كلثوم ما لا يقل عن 72 أغنية، بدءاً من ‘قال إيه حلف’ عام 1924 وانتهاءً بالأغاني الثلاثة التي لحنها لها في فيلم ‘فاطمة’ عام 1947. وتكوّنت ثنائيته مع الشاعر أحمد رامي من أغزر الإنتاج، حيث لُحن له نحو 67 أغنية منها: ‘إن كنت أسامح’ و’رق الحبيب’ و’طالت ليالي البعاد’ و’يا بهجة العيد السعيد’. ومع عظمة مكانته، ظل يختار الجلوس خلف أم كلثوم عازفاً على العود في فرقتها لسنوات طويلة، حتى وبوفاتها بقي مقعده خالياً احتراماً لمسيرته.
تتلمذ على يديه الفنان محمد عبد الوهاب في العزف على العود، كما لحن لكبار المطربين من منيرة المهدية وصالح عبد الحي ونجاة علي وليلى مراد وأسمهان. ومن أشهر ألحانه لأسمهان: ‘ليت للبراق عينا’ و’إمتى حتعرف’، ولليلى مراد ألحان مثل ‘أنا قلبي دليلي’. يُعد القصبجي قائد التجديد في الموسيقى الشرقية، فأضاف ألوان إيقاع جديدة وجمل حنّية مضبوطة وبعيداً عن الارتجال، كما أدخل آلات غربية إلى التخت الشرقي فرفع مستوى الأداء. ومن مقطوعاته الخالدة ذكرى ‘ذكرياتي’.
الرحيل والإرث
توفي محمد القصبجي في 26 مارس 1966 عن عمر يناهز 74 عاماً، بعد مسيرة حافلة امتدت نحو خمسين عاماً في الإنتاج الفني. يظل اسمه محفوراً في سجل كبار مجدّدي الموسيقى العربية وأحد أبرز خمسة ملحنين في تاريخها. ترك أثره العميق في أساليب التلحين وتطوير الأداء، وظلت أعماله مصدراً للالهام للمطربين بجيله وبأجيال لاحقة.