صموئيل العشاي يكتب : وجع سيد الحرانى… وجع مهنة كاملة

لم تكن أزمة الصديق العزيز سيد الحرانى مجرد عارضٍ صحي عابر، بل كانت اختبارًا قاسيًا كشف هشاشتنا جميعًا. رجلٌ صار قعيدًا وجليس فراش، بين أملٍ في الشفاء ودعواتٍ لا تنقطع من قلبٍ موجوع لأسرته وأطفاله الصغار. أمام هذا المشهد، يتعرّى الإنسان من كل شعاراته، ويقف عاجزًا، مدركًا أننا — بحق — بلا حول ولا قوة.

لم تكن صدمتي في ضعف الإمكانيات، ولا في عجز النقابة عن تغطية نفقات علاجٍ يفوق قدراتها، فهذه أزمة نعرف جذورها جميعًا. لكن الصدمة الحقيقية كانت في البشر… في بعض أبناء المهنة، وفي تيارٍ انتميت إليه يومًا، ووقفت مدافعًا عنه.

الجميع يعلم موقفي في كل الانتخابات النقابية الماضية، وكيف دعمت هذا التيار، ووقفت في مواجهة ما يُسمّى بالتيار اليساري أو تيار الاستقلال. لكن حين جاءت المحنة، سقطت الأقنعة. زملاء يُفترض أنهم الأقرب، سمعوا الحكاية مرة، ثم انصرفوا… لا ردّ على هاتف، لا سؤال، لا حتى اعتذار.

أحدهم قالها ببرودٍ موجع: “ما تقوم به مجهود يُشكر، لكن سيد يحتاج إلى مبلغ ضخم، وبهذا المبلغ يمكن علاج عشرة مرضى بدلًا من مريض واحد”.
كانت جملة كفيلة بأن تُسقط ما تبقى من تماسك داخلي. أي منطق هذا الذي يزن الإنسان بالأرقام؟ وأي قسوة تجعلنا نحاسب الألم كصفقة؟

لن أسرد كل ما قيل، فبعض الصمت أبلغ من الكلام. لكن المؤلم حقًا أن صحفيين كبارًا، وقفنا بجوارهم يومًا، اختفوا في لحظة احتياج حقيقي.

وفي المقابل… كانت المفارقة قاسية وجميلة في آنٍ واحد.

الزملاء الذين اختلفنا معهم سياسيًا، هشام يونس ومحمد الجارحي وسعد عبد الحفيظ ومحمود كامل، وحسين الزناتي كانوا أول الحاضرين إنسانيًا.

علمت من سيد أنهم تحركوا بصمت، طرقوا أبواب الجمعيات، وجمعوا مبالغ كبيرة أودعت مباشرة في حساب المستشفى لإنقاذ سيد في عمليته الأخيرة.

وكان النقيب، خالد البلشي، رغم كل الخلافات الانتخابية، أول من يتحرك: يكتب خطابات ومراسلات ، ويتواصل، ويسأل، ويتابع التفاصيل الدقيقة وكأنها حالة احدا من أسرته.

نعم أنا وسيد وقفنا ضده انتخابيًا… لكنه وقف معنا إنسانيًا.

وكذلك جمال عبد الرحيم، الرجل الصعيدي الشهم، الذي عرفت مصادفة انه ذهب لمتابعة زميلة صدمتها سيارة وكانت بين الحياة والموت ، ورفضت المستشفي دخولها العمليات قبل دفع مبلغ مالي، وعلي الفور دفع جمال راتبه كاملًا لإنقاذ زميلة في لحظة حرجة، دون حسابات، دون تردد… فقط بدافع الزمالة.

في أزمة سيد جاءت وقفة القوات المسلحة، التي منحتنا أملًا حقيقيًا، بموافقة على علاج سيد داخل مركز العجوزة، مع برنامج علاج طبيعي طويل قد يمتد لعام أو أكثر. بارقة نور في نفقٍ مظلم، أعادت بعض التوازن لقلبٍ مثقل.

قصة سيد الحرانى لم تكشف فقط عن أزمة مريض، بل كشفت عن أزمة مهنة فقدت قلبها ، وربما مشرعها ايضاً.

مهنةٌ فيها من يرى زميله “مبلغ مالي”، ومن لا يراك إلا صوتًا انتخابيًا ينتهي دوره في الصندوق، ومن – في المقابل – يتحرك في صمت، يجبر الخواطر، وينقذ ما يمكن إنقاذه دون ضجيج.

في النهاية… يبقى السؤال المؤلم: هل نحن حقًا أبناء مهنة واحدة؟ هل نحن أسرة واحدة ؟ أم أننا مجرد أفراد جمعتهم لافتة، وفرّقتهم التيارات النقابيّة؟

وجع سيد سيبقى شاهدًا… ليس كحالة مرضية، بل وجع على ما تبقى فينا من مشاعر وانسانية وزمالة لمهنة هى الأرفع والاهم والأكبر في مصر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى