الدكتور كمال مغيث يكتب : حد الزعف عيد مصري

نخيل البلح شجرة مدارية تنتشر فى المنطقة الممتدة من باكستان شرقا حتى ساحل الأطلنطى فى الغرب، ولا أعلم لماذا يصر بعض الكتاب فى نسبة نشأته لجزيرة العرب – التى لم نعرف من آثارها شئ ذو بال حتى مولد المسيح، وخاصة وقد وجدت أقدم الدلائل على وجوده فى مصر منذ أكثر منذ عشرات الآلاف من السنين من ناحية، ولأن ثماره المجففة ( التمر ) والتى تعد أهم الثمار التى يحملها الإنسان المسافر فى ترحاله فهى تستطيع أن تعيش دون أن تفسد لآلاف السنين “فقد كان البلح المجفف فى مقبرة توت عنخ آمون نحو 1350 ق م، صالحا للأكل”، فضلا عن أن بذرته (النواة) أو “النواية” بالمصرى، شديدة الصلابة ويمكنها أن تنتظر دهرا حتى تتاح لها ظروف الإنبات، وقد وجدت أقدم آثار النخيل فى مصر منذ العصر الحجرى القديم فى مناطق الواحات، كما عثر على مومياء ملفوفة فى حصير من سعف النخيل بالرزيقات من مرحلة ماقبل الأسرات، كما وجدت فسائل صغيرة من النخيل مدفونة فى مقابر من نفس الفترة- من: وليم نظير. النباتات عند قدماء المصريين.

واعتبر المصريين أن أوزوريس هو أول من غرس النخيل فى مصر، وقد وجد سقف مقابر من جذوع النخيل وبعض الأوانى الفخارية التى كانت تحتوى على عرق البلح فى الأسرتين الأولى والثانية، حول سنة 3000 ق م والذى أصبح عنوانا لأول أفلام الراحل رضوان الكاشف، كما اعتبر القدماء المصريين أن النخلة ترمز للزمن، فالجزع الطويل يرمز للعام والجريدة أو السعفة ترمز للشهر والخوصة ترمز لليوم، وحاكى المصريون القدماء شموخ جذوع النخيل فى صناعة أعمدتهم وتيجانها.

كما استقدمت حتشبسوت – أسرة 18 – بعض النخيل من الحبشة لتهجينه مع النخيل المصرى، واستخرج المصرى سكر التحلية من بعض التمور شديدة السكرية، كما دخلت العجوة فى مكونات بعض الكيك التى عثر عليها فى مقبرة توت عنخ آمون، وظلت أمى تصنع عجينة من العجوة تدخل فى قلب قرص العيد الصغير بعد أن تلينها بالتسخين فى الزبد وخلطها بالسمسم.

وكان بعض الرجال يحملون سعف النخيل أثناء تشييع الجنازة، وقد كرم القرآن الكريم النخل بذكره أكثر من عشرين مرة منهم نخلة مريم العذراء ” وهزى اليك بجزع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى وإشربى وقرى عينا -سورة مريم-“

كما تناولته عشرات من أغانينا كوردة: “يانخلتين فى العلالى يابلحهم دوا أو: شمس الأصيل دهبت خوص النخيل..” وفلكلور: ” ياجريد النخل العالى ميٓل وارمى السلام”
ولا شك أن السيدة مريم العذراء فى رحلتها الطويلة فى مصر هربا من الرومان قد استظلت تحت أخصاص من جريد النخيل، كما حملت التمور زادا مضمونا لرحلتها الشاقة والطويلة.

ومن هنا فإننى أعتقد أن حد الزعف هو عيد مصرى تماما فلا شك أن المصريين بحضارتهم الزراعية هم الذين سعوا لربط نباتاتهم بالأعياد المختلفة ومن هنا فهم الذين أهدو السعف للمسيحية، كما أهدوها القصب والقلقاس فى عيد الغطاس، وقرصة القربان، وعصير العنب الأحمر، كما أهدوا المسلمين القرص والكحك فى عيد الفطر، والبيض والبصل والفسيخ فى شم النسيم والبليلة فى عاشوراء والكنافة والقطايف فى رمضان.

وليست كل النخلات تنتج بلحا وإنما هناك النخلة ” الدكر” التى تنتج الحبوب الدقيقة لتلقيح أو تأبير النخلات الأنثى حتى لا يفسد أو يشيص بلحها
وحتى اليوم تعتبر النخلة شجرة مبروكة فى مصر، فهى تنبت وتنمو بلا تعب ولا جهد ولا رعاية على ضفاف الترع والقًنى، وحواف الغيطان وأى أرض فضاء، ويعتبر الناس أن بلحها متاحا للناس كافة إلا إذا كانت داخل حديقة خاصة، أو حقلا خاصا كمحصول وهنا تصبح عملية تلقيح النخل عملية هامة، حيث تتعدد أنواع البلح بشكل هائل، وإن كانت بلحات الصعيد حيث المناخ الجاف والحار أكثر جودة من بلحات الدلتا والشمال، وكنا ونحن صغار نشترى “رٌبعة البلح الأبريمى” بتعريفة، ويبدوا أن بلدة أبريم فى النوبة كانت تنتج ذلك البلح الشهى، حتى صرنا نسمى كل البلح المجفف “أبريمى”، وتستخدم كل أجزاء النخلة فى أغراض مفيدة فجزوعها تستخدم لعمل المساطب وتسقيف البيوت وعمل المعديات على الترع والمصارف، وتستخدم عصى جريدها فى صناعة الأسرة والكراسى والأقفاص، أما جزئها السفلى العريض (القحف) فيستخدم كمقشة، كما استخدم منذ زمن الفراعنة كمضرب للكرة فى لعبة ” الحكشة” او الهوكى حاليا.. وبين جريدها ينمو ذلك النسيج الخشن ذو اللون البنى “الفًل” الذى يستخدم كنوع فقير من الليف.. كما يستخدم فى صناعة الحبال أيضا. كما يستخدم خوصها فى صناعة الحصر والمقاطف والقفف، وتحزيم وربط حزم الشبت والبقدونس، وكانت شهور الصيف فرصة لنا ونحن أطفال أن نقصد النخلات المعروفة فى الحقول والحدائق لنحصل بلحها برمي سباطاتها المثقلة بالطوب أو بتسلقها للوصول إليها..
واليوم يشرع الأقباط يوم أحد السعف أو الشعانين فى إبداع كل مايمكن تخيله من أشكال ورموز من سعف وخوص النخيل،
ومن الصعب أن يقرر الفلاحين قطع نخلة فهى خفيفة على الناس وعلى الأرض فهى لا تحتاج إلى سقيا ولا رعاية كما انها ليست كثيفة الأوراق والفروع لتمنع الشمس من الوصول للأرض المزروعة تحتها، كأشجار الجميز التى اختفت من الريف تقريبا، وعندما كان يضطر الفلاحين لقطع نخلة فإننا كنا نستطيع أن نصل بأدواتنا الحادة للجٌمار الأبيض الشهى فى قلبها، وفى مولد سيدى صلاح ببلدنا الباجور منوفية وقبل ليلته السنوى يقيم خادم مسجده بوسط ساحته، عمودا خشبيا متوجا بعدد من جريد النخل الأخضر رمزا لتجدد الحياة الدائم ولقيامة أوزوريس الأبدية.
وكل سنة والمصريين جميعا بخير

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى