كيف تطورت الأسواق خلال 48 ساعة بعد هدنة إيران والولايات المتحدة؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة؟

تزامن إعلان هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة مع دخول مفاوضات لاحتواء التصعيد، فكان من الطبيعي أن تعكس الأسواق ردود فعل سريعة خلال اليومين الأولين. المشهد صحبه مزيج من التوتر الحذر وتحديثات الأسعار في مختلف الأصول، مع ترقب لمسار المفاوضات وتداعياتها على الاستقرار الدولي.

تداعيات الهدنة المؤقتة على الأسواق خلال أول 48 ساعة

الدولار: تراجع سريع بدعم التدفقات الأجنبية

شهد سعر الدولار مقابل الجنيه تراجعًا ملحوظًا خلال أول يومين من الهدنة، حيث انخفض بنحو 1.44 جنيه في 10 بنوك، بمتوسط 1.49 جنيه، مدفوعًا بعودة قوية للاستثمارات الأجنبية.

قال مسؤولون بقطاعات الخزانة والمعاملات الدولية إن البنوك تلقت تدفقات دولارية كبيرة من مستثمرين أجانب، بهدف شراء أذون الخزانة والاستفادة من العوائد المرتفعة، في ظل تراجع المخاطر الجيوسياسية مؤقتًا.

وأضافوا أن زيادة المعروض من النقد الأجنبي ساهمت في تخفيف الضغوط على الجنيه، الذي كان قد تعرض لضغوط قوية خلال فترة الحرب.

اليورو والعملات: تحسن جماعي في سوق الصرف

لم يكن الدولار وحده المتأثر، بل امتدت الموجة إلى باقي العملات، حيث تراجع سعر اليورو مقابل الجنيه خلال تعاملات اليومين، بدعم نفس العامل: تدفقات الاستثمار الأجنبي.

كما شهدت عملات أخرى مثل الريال السعودي تحركات مشابهة، في انعكاس واضح لتحسن نسبي في السيولة الدولارية داخل السوق.

ويعكس هذا الأداء تحسنًا مؤقتًا في ثقة المستثمرين، الذين عادوا إلى الأسواق الناشئة فور ظهور مؤشرات تهدئة.

هل يبدأ الجنيه التعافي؟

رغم هذا التحسن، يرى خبراء أن المشهد لا يزال ضبابيًا، وأن ما حدث قد يكون مجرد “تعافٍ مؤقت” وليس اتجاهًا مستدامًا.

ويقترحون أن مستقبل الجنيه يتوقف على مسارين رئيسيين: نجاح المفاوضات وما يعيد تدفقات الاستثمار ويعزز استقرار العملة، أو فشل الهدنة وما يعيد الضغوط ويؤدي إلى موجة تراجع جديدة.

النفط: هبوط عنيف ثم ارتداد سريع

في سوق الطاقة، كان المشهد أكثر حدة وتقلبًا. ففي أول رد فعل على الهدنة، تراجعت أسعار النفط بشكل قوي، حيث هبط خام برنت بنسبة 16% ليصل إلى نحو 93 دولارًا، قبل أن يستقر عند 95 دولارًا تقريبًا.

لكن هذا التراجع لم يدم طويلًا، إذ عادت الأسعار للارتفاع في اليوم التالي، مع تصاعد المخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات، والشكوك حول استمرارية التهدئة.

وسجل خام برنت ارتفاعًا بنحو 3.8% ليقترب من 98 دولارًا، في مؤشر واضح على أن السوق لا تزال تتعامل بحذر شديد.

الذهب: صعود حذر وسط تذبذب واضح

في المقابل، تحرك الذهب في اتجاه صاعد، حيث ارتفع عالميًا بنسبة 2.71% ليصل إلى نحو 4833 دولارًا للأونصة، في أول استجابة لتحسن معنويات المستثمرين.

لكن السوق لم يستقر، إذ شهدت الأسعار تذبذبًا ملحوظًا خلال نفس اليوم، حيث تراجعت في منتصف التعاملات قبل أن تعاود الارتفاع.

قال مختصون إن هذا التذبذب يعكس حالة عدم الاستقرار، موضحين أن الأوقية ارتفعت إلى نحو 4850 دولارًا بعد الهدنة، قبل أن تتراجع إلى 4780 دولارًا.

الفضة: صعود قوي بدعم الذهب

امتدت موجة الصعود إلى الفضة، التي ارتفعت بنسبة 5.25% لتصل إلى نحو 76.83 دولارًا للأونصة. يرى خبراء أن هذا الارتفاع جاء مدفوعًا بارتفاع الذهب، إلى جانب تحسن شهية المستثمرين تجاه المعادن في ظل التهدئة.

البيتكوين: عودة الأصول عالية المخاطر

في المقابل، شهدت الأصول عالية المخاطر انتعاشًا واضحًا، حيث ارتفعت البيتكوين بنحو 5% لتتجاوز 71 ألف دولار. يعكس هذا التحرك عودة شهية المستثمرين للمخاطرة، بعد تراجع حدة التوترات، واتجاههم نحو الأصول ذات العائد المرتفع.

التوقعات: سيناريوهان يحكمان المرحلة المقبلة

يتفق الخبراء على أن المرحلة الحالية لا تزال مفتوحة على أكثر من مسار، وأن ما يحدث الآن هو مجرد رد فعل أولي، بينما سيُحسم الاتجاه لاحقًا وفق نتائج المفاوضات.

في السيناريو الأول، إذا نجحت التهدئة وتحولت إلى اتفاق مستدام، فمن المتوقع أن تستمر تدفقات الاستثمار الأجنبي، بما يدعم استقرار العملات ويمنح الأسواق قدرًا من الثبات. كما قد تتراجع أسعار النفط تدريجيًا مع عودة الإمدادات، في حين يواصل الذهب صعوده ولكن بوتيرة أكثر توازنًا، مدعومًا بتحسن الثقة دون اختفاء كامل للمخاطر.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في عودة التصعيد وفشل المفاوضات، وهو ما قد يعيد الضغوط بقوة على الجنيه، ويدفع أسعار النفط إلى ارتفاعات حادة، بالتزامن مع موجات تقلب عنيفة في الأسواق العالمية. وفي هذه الحالة، سيستعيد الدولار مكانته كملاذ رئيسي، مع تراجع نسبي في شهية المخاطرة.

ما حدث خلال أول 48 ساعة من الهدنة يؤكد أن الأسواق شديدة الحساسية وسريعة التفاعل مع التطورات السياسية، لكنها في الوقت ذاته لا تمنح أحكامًا نهائية مبكرة. فبين تحسن سريع في بعض المؤشرات، واستمرار المخاطر في الخلفية، تظل جميع التحركات الحالية مؤقتة وقابلة للتغير، لحين اتضاح المسار النهائي للمفاوضات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى