زمن صفوت الشريف

في أروقة مبنى ماسبيرو العتيق، وفي استوديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي بمدينة 6 أكتوبر التي لا تنام أبداً، لا يزال العاملون في التلفزيون المصري يسترجعون بقصص مؤثرة وحنين “زمن صفوت الشريف”. يتحدثون عن الرجل الذي لم يكن مجرد وزير للإعلام، بل كان “باني الإعلام المصري الحديث” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يتذكرون كيف كان يمر على المكاتب والاستوديوهات في ساعات متأخرة من الليل، يسأل عن أدق التفاصيل، يستمع إلى شكاوى الفنيين والمذيعين، ويحرص شخصياً على أن يشعر كل موظف – مهما كان منصبه – أنه جزء أساسي من مشروع وطني كبير يفوق الروتين اليومي. واحد من كبار المهندسين السابقين يقول بابتسامة حزينة: “مفيش حد بعده احترم العاملين في ماسبيرو زي صفوت بيه… كان قيمة ومقام، يعاملنا كأسرة واحدة، وكان يقول دايماً: الإعلام ده مش شغل، ده رسالة”.
ظل صفوت الشريف وزيراً للإعلام لمدة 22 عام، من فبراير 1982 حتى يوليو 2004، وهي أطول فترة شغل فيها أي وزير هذا المنصب. قبل ذلك كان قد تولى رئاسة اتحاد الإذاعة والتلفزيون عام 1980، ورئاسة الهيئة العامة للاستعلامات، وهو ما أكسبه خبرة كبيرة في التلفزيون المصري واستطاع الانتقال به من التقنيات التقليدية المحدودة إلى عصر الفضائيات والإنتاج الرقمي المتطور، وأصبحت مصر رائدة إعلامياً على مستوى العالم العربي بأكمله، بل ومنافسة قوية لأكبر المؤسسات الإعلامية الدولية في ذلك الوقت.
كان صفوت الشريف يؤمن إيماناً راسخاً أن “الإعلام سلاح” في يد الوطن، وأن مصر لا يمكن أن تظل مجرد متلقٍ للإعلام الخارجي. لذلك أسس شركة “نايل سات” المصرية عام 1996، وأطلق القمر الصناعي “نايل سات 101” ثم “نايل سات 102” في السنوات التالية، لتصبح مصر من أوائل الدول العربية التي تمتلك أقماراً صناعية خاصة بها، مما أعطاها سيادة كاملة على بثها الإعلامي وفتح أبواباً واسعة للمنافسة الإقليمية. وفي عام 1990 أطلق “القناة الفضائية المصرية” ، وهي أول قناة فضائية مصرية، وكانت موجهة للمصريين في الخارج، مليئة بالبرامج الثقافية والمنوعات والدراما المصرية التي حملت صورة مصر الحضارية والإنسانية إلى كل بيت عربي من المحيط إلى الخليج.
أما أكبر إنجازاته على الإطلاق فكان إنشاء مدينة الإنتاج الإعلامي في 6 أكتوبر، التي افتتحها الرئيس حسني مبارك رسمياً عام 2002 ، وكانت المدينة الأكبر بعد هوليوود وهي أكبر مشروع إعلامي في الشرق الأوسط بأكمله، شملت استوديوهات مجهزة بأحدث التقنيات العالمية، ومناطق تصوير مفتوحة واسعة، وقطاع إنتاج متكامل يغطي كل مراحل العمل من السيناريو حتى البث.
غيرت هذه المدينة وجه الدراما المصرية تماماً؛ فقبل إنشائها كانت معظم المسلسلات والأفلام تُصوَّر خارج مصر في بيروت أو دمشق أو تونس بسبب نقص الإمكانيات، أما بعدها فأصبحت “هوليوود العرب” تقع على أرض مصرية خالصة، وأنتجت عشرات المسلسلات والبرامج سنوياً. وداخل المدينة أنشأ صفوت الشريف أكاديمية تدريب متخصصة خرَّجت أجيالاً كاملة من الإعلاميين والفنيين المحترفين.
لم يكتفِ صفوت الشريف بهذين الإنجازين الكبيرين. بل أطلق قناة النيل للأخبار عام 1998، وذلك بعد عامين فقط من انطلاق قناة الجزيرة، وكانت تمثل نقلة نوعية حقيقية في التغطية الإخبارية المصرية والعربية، حيث ركزت على الدقة والسرعة، وأنشأ القنوات الإقليمية داخل مبنى ماسبيرو لتعزيز التواجد الإعلامي على مستوى المحافظات المصرية والجمهور العربي الأوسع. وعام 2000 أطلق منظومة إذاعات متخصصة متطورة تستهدف فئات مختلفة من الجمهور، منها إذاعة الأخبار، وإذاعة الأغاني، والإذاعة التعليمية، وإذاعة الكبار، بالإضافة إلى إذاعات أخرى موجهة. كان الهدف واضحاً وطموحاً: بناء إعلام يخاطب كل مواطن بما يناسبه تماماً، لا إعلاماً موحداً يحاول أن يصلح للجميع دون تمييز.
وأنشأ صفوت الشريف قطاع الأخبار المتكامل في التلفزيون المصري، وقطاع الإنتاج الدرامي باستوديوهات جديدة مجهزة بأحدث الأجهزة. كما أسس معهد الإذاعة والتلفزيون الذي أصبح مركز تدريب رئيسياً للإعلاميين المصريين والعرب والأفارقة، حيث تخرج منه آلاف المتخصصين الذين ساهموا في تطوير الإعلام العربي. اهتم كثيراً ببرامج الصباح الشهيرة مثل “صباح الخير يا مصر”، التي أصبحت جزءاً من ذاكرة المصريين، وساهم بشكل مباشر في ظهور جيل جديد كامل من المذيعين والإعلاميين الذين أصبحوا نجوماً لامعين فيما بعد.
في عهده وُصف الإعلام المصري بـ”إعلام الريادة” عربياً، خاصة في مجالات الإنتاج الدرامي والفضائيات والتغطية الإخبارية. مدينة الإنتاج الإعلامي، ونايل سات، والقنوات المتخصصة، والإذاعات الموجهة… كلها مشاريع جبارة ما زالت تعمل حتى اليوم وتشكل عماد الإعلام المصري. بعد عام 2004 تولى صفوت الشريف رئاسة مجلس الشورى ثم أمانة الحزب الوطني الديمقراطي، لكنه ظل – ويظل – في ذاكرة كل الإعلاميين رمزاً خالداً لعصر الثمانينيات والتسعينيات والألفية الجديدة. صحيح أن الفترة شهدت بعض النقاشات حول سياسات الإعلام الحكومي والتوازن بين الحرية والمسؤولية الوطنية، لكن الإنجازات الملموسة التي بناها بيده لا ينكرها إلا من يجهل تماماً تاريخ الإعلام المصري وتطوره.
اليوم، حين يجلس العاملين في ماسبيرو أمام كوب شاي ساخن بعد يوم طويل من العمل، يتنهدون بحسرة ويقولون بصوت واحد: “يا ريت نرجع زمن صفوت الشريف… كان فيه حلم كبير، وكان فيه إنجاز حقيقي ملموس”. زمن استعادته اليوم ليس مجرد ذكرى عابرة أو حنين إلى الماضي… بل هو درس حي في كيف يبني الرجال العظماء مؤسسات تدوم وتؤثر لأجيال قادمة، وكيف يمكن للإعلام أن يكون أداة بناء وطنية لا مجرد منبر للترفيه أو الإعلام فقط. إنه زمن يستحق أن يُروى ويُدرس ويُستلهم في كل مرحلة جديدة من تطور الإعلام المصري.
