أين تمثال مرقص حنا الذي حمي مقبرة توت عنخ آمون

في جناح الملك توت عنخ آمون: تمثال مستحق لمرقص حنا باشا، حامي الكنز من النهب

مع اقتراب افتتاح المتحف المصري الكبير، حيث يقف العالم مترقباً لمشاهدة أعظم كنوز البشرية من مقتنيات الملك توت عنخ آمون، يعود إلى الأذهان سؤال ظلّ غائباً عن الوعي الجمعي: من هو الرجل الذي تصدّى لمحاولة سرقة هذا الكنز الأسطوري وحماه من أيدي المستعمرين والمتربصين؟

إنه مرقص حنا باشا، الوزير الوطني الذي لا يكاد التاريخ يذكره، رغم أنه كان السد المنيع الذي منع أكبر عملية نهب لآثار مصر الحديثة.

قصة لا تُروى كثيراً

حين اكتُشفت مقبرة توت عنخ آمون على يد هوارد كارتر عام 1922، كان العالم كله يترقب ما تحمله جدران الوادي الغربي من أسرار. لكن خلف المشهد، كانت النوايا مبيتة لسرقة الآثار، كما حدث في عشرات المقابر الملكية الأخرى التي تبعثرت مقتنياتها بين متاحف أوروبا وأمريكا.

كارتر حاول منع المصريين من دخول المقبرة، ليبقى هو ورجاله الأجانب وحدهم أمام جبل من الذهب والتحف التي لا تقدر بثمن. عندها ظهر الدور الحاسم لمرقص حنا باشا، وزير الأشغال آنذاك والمسؤول عن الآثار.

فقد أمر على الفور بفرض حراسة مصرية مشددة على المقبرة، وجعل الضباط يفتشون كل من يدخلها أو يخرج منها، بما في ذلك هوارد كارتر نفسه!

اشتعلت الصحف البريطانية والأجنبية ضد قراره، واعتبرته تحدياً سافراً للإمبراطورية التي كانت تهيمن على مصر والعالم، لكن الباشا لم يرضخ. بالعكس، شدّد الرقابة ومنع دخول أي أجنبي إلا بتصريح رسمي مختوم، وأمر بتسجيل كل أثر وتحفة ونقلها تحت حراسة مصرية إلى المتحف في القاهرة.

وبفضل هذه الصرامة، بقيت كنوز توت عنخ آمون كاملة بين أيدينا، شاهدة على عبقرية مصر وحضارتها.

مرقص حنا باشا: الوطني ابن الكنيسة

ولد مرقص حنا باشا عام 1872 بالمنصورة، ونشأ في بيت قبطي أصيل حيث كان والده قمصاً بكنيسة طنطا. درس في باريس، ثم التحق بسلك القضاء في أسيوط قبل أن يتحول إلى المحاماة نزولاً عند رغبة زوجته. هناك ذاع صيته، ثم انتقل إلى القاهرة ليفتتح مكتبه الكبير في الفجالة.

لم يكن مجرد محامٍ بارع، بل كان مناضلاً سياسياً بارزاً. انضم لحزب مصطفى كامل، ثم كان من أقرب معاوني سعد زغلول وقيادات الوفد. انتُخب نائباً عن الأزبكية في أول برلمان مصري، وصار أحد رموز الحركة الوطنية.

ترأس نقابة المحامين ست سنوات، وساهم في تأسيس الجامعة الأهلية (جامعة القاهرة لاحقاً)، كما أسس كلية البنات القبطية. تولى حقائب وزارية مهمة: الأشغال، والمالية، والخارجية. وكان مثالاً للنزاهة، إذ ظل مصدر رزقه الأساسي هو عمله في المحاماة، حيث كان يكسب آلاف الجنيهات سنوياً بجهده الخاص.

لم يسلم من بطش الاحتلال، فحُكم عليه بالإعدام مع رفاقه الوفديين، ثم نُفي إلى جزيرة سيشل قبل أن يُفرج عنه. ورحل عام 1934 بعد مرض قصير، في جنازة مشهودة خرجت فيها مصر كلها تودع رجلها الوفي.

لماذا التمثال؟

بينما يزدان جناح توت عنخ آمون في المتحف المصري الكبير بأروع ما خلفته يد الإنسان المصري القديم، ينبغي أن يكون هناك تمثال حديث يخلّد الرجل الذي دافع عن هذه الكنوز، وأبقاها كاملة في حضن الوطن.

إن مرقص حنا باشا لا يستحق مجرد ذكر عابر في الهامش، بل أن يُنقش اسمه بجانب الكنز الذي أنقذه من الضياع. فالتاريخ ليس فقط من صنع الفراعنة الذين بنوا، بل أيضاً من صنع الوطنيين الذين حَموا ما بُني.

كلمة أخيرة

مع افتتاح المتحف المصري الكبير، ليس فقط الملك توت عنخ آمون من يستحق أن نقف أمامه بإجلال، بل أيضاً مرقص حنا باشا، الرجل الذي قاوم ضغوط الإمبراطورية وفضح أطماعها وحمى ميراث أمة بأكملها.

قد تأخر التكريم، لكنه واجب لا يسقط بالتقادم: نريد تمثالاً لمرقص حنا باشا داخل جناح توت عنخ آمون، عرفاناً لمن حمى الكنز من السرقة، وصانه للأجيال القادمة.

هل تحب أن أجعل المقال في شكل حملة دعوة عامة، بخاتمة تحفيزية أقوى، وكأنها نداء للمسؤولين والشعب معاً؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى