رفعت فياض: التربية أهم من التعليم.. والمدرسة تعود بقوة بعد سنوات من الغياب

في وقت تتعالى فيه الأصوات حول إصلاح المنظومة التعليمية في مصر، يقف الكاتب الصحفي الكبير رفعت فياض، مدير تحرير جريدة “أخبار اليوم”، ليطلق صيحة مدوية: “التربية أهم من التعليم”.
فياض يرى أن المدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المناهج وحصد الدرجات، بل مصنع متكامل لتشكيل الوجدان وبناء القيم وترسيخ الانتماء، مؤكداً أن ما خسرناه لعقود بسبب الدروس الخصوصية بدأنا نستعيده أخيراً مع عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة بنسبة حضور فاقت 85%.
في هذا الحوار، يفتح فياض قلبه لـ”أخبار اليوم”، كاشفاً عن أخطر ما يهدد العملية التعليمية، وما الذي يجب أن تقوم به الأسرة والمدرسة معاً لبناء أجيال سوية.
س: بدايةً.. طرحت سؤالاً مهماً: أيهما أهم للطالب، التربية أم التعليم؟
ج: بلا تردد التربية أهم من التعليم. التعليم يعطي معرفة ومعلومات، أما التربية فهي التي تبني الشخصية وتغرس القيم وتخلق الانتماء.
س: ولماذا اخترت هذا التوقيت لطرح السؤال؟
ج: لأننا الآن بعد أسبوعين من بدء الدراسة، أصبح لدينا 25 مليون طالب وطالبة في المدارس، أي ما يقرب من ربع سكان مصر. ولاحظنا أن المدرسة بدأت تعود لدورها الذي غاب لسنوات طويلة، فكان لابد من التأكيد على أهمية الجانب التربوي.
س: هل كانت المدرسة غائبة بالفعل عن المشهد طوال السنوات الماضية؟
ج: للأسف نعم. المدرسة فقدت دورها التربوي والتعليمي لعقود بسبب الدروس الخصوصية، وأصبحت المباني خاوية بلا طلاب. العلاقة الوحيدة التي نشأت كانت بين الطالب و”مدرس السنتر” في علاقة مادية بحتة بلا أي بعد تربوي.
س: وما خطورة هذه الظاهرة من وجهة نظرك؟
ج: أخطر ما في الموضوع أن الطلاب صاروا مجرد متلقين لطرق حل الامتحانات، بلا قيم أو مبادئ أو انتماء. الدروس الخصوصية صنعت تعليماً موازياً أفرغ الطالب من جوهر التعليم الحقيقي.
س: هل ترى أن الحضور الكبير هذا العام مؤشر إيجابي؟
ج: بالتأكيد. وصلت نسبة الحضور إلى أكثر من 85%، وهذه سابقة لم تحدث منذ سنوات طويلة. هناك فرحة لدى الطلاب وأولياء الأمور بعودة المدرسة، لكن ما زال هناك قلة تهرب أو تأتي مجبرة. المهم أن الخطوة بدأت.
س: هل الدروس الخصوصية مجرد تعليم للنجاح فقط؟
ج: نعم، هي مجرد تدريب على النجاح في الامتحان. الطالب يحفظ ويلقن لدرجة، لكنه لا يتعلم كيف يفكر أو يتعامل مع غيره. التربية غائبة تماماً.
س: ما الأبعاد التي تقدمها المدرسة غير المناهج الدراسية؟
ج: المدرسة تعلم الطالب الصدق، الأمانة، احترام الآخر، وتنمي شخصيته الاجتماعية. تفتح أمامه مجالات التفكير النقدي والإبداعي، وتساعده على مواجهة الضغوط، وتبني شخصيته نفسياً ووجدانياً. هذه أمور لا يمكن أن يجدها في أي “سنتر”.
س: هل ترى أن وزارة التربية والتعليم نجحت في استعادة المدرسة؟
ج: نعم. الوزير محمد عبد اللطيف قاد المعركة بنفسه بزيارات ميدانية في المحافظات، وهو مصمم على عودة الطالب والمعلم للمدرسة. نجاح الخطة بدأ يظهر بالفعل.
س: لكن ماذا عن الطلاب الذين ما زالوا يهربون من المدرسة؟
ج: هؤلاء تأثروا بالماضي، حيث اعتادوا على الغياب والاعتماد على الدروس. لكن مع الوقت والالتزام بالامتحانات الشهرية ودرجات السلوك، سيتغير الوضع تدريجياً.
س: إلى أي مدى يمكن للأسرة أن تكمل دور المدرسة؟
ج: دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور المدرسة. المدرسة تغرس المبادئ وتعلم السلوك، لكن الأسرة هي التي تعزز ذلك وتتابعه يومياً. إذا تكامل الدوران نضمن جيلاً سوياً بحق.
س: هل نستطيع القول إننا الآن على الطريق الصحيح؟
ج: نعم، نحن على بداية الطريق. أهم ما تحقق أن التربية عادت لتتصدر المشهد مرة أخرى. إذا نجحنا في تثبيت هذه الخطوة فلن نخرج فقط متعلمين، بل مواطنين صالحين نافعين لمجتمعهم ووطنهم.
فياض يؤكد أن التربية هي الأساس، والتعليم وحده لا يكفي. فإذا أردنا جيلاً قادراً على حمل راية الوطن، فلا بد أن تتكامل المدرسة والأسرة في غرس القيم والمبادئ، لأن “الطالب المتفوق في الدرجات بلا تربية هو قنبلة موقوتة، أما الطالب المتربي جيداً حتى وإن كان متواضع الدرجات فهو ثروة حقيقية للوطن”.