بعد فوز المعارضة الفنزويلية بجائزة نوبل للسلام… دور إسرائيل في الكواليس

تحليل يكتبه – صموئيل العشاي
بعد فوز المعارضة الفنزويلية بجائزة نوبل للسلام، تبرز الحقيقة الغائبة ودور إسرائيل في الكواليس، فالأمر لم يكن مجرد تكريم سياسي عابر، بل نتيجة لترتيبات وتحالفات تمتد جذورها لسنوات طويلة. في عالم السياسة لا مكان للصدف، فحين تُمنح جائزة بهذا الحجم، لا بد أن نقرأ ما وراء الكواليس، ونفكك شبكة المصالح التي تحرك المشهد من بعيد.
فوز المعارضة الفنزويلية بقيادة ماريا كورينا ماتشادو بجائزة نوبل للسلام لعام 2025 اعتبره البعض “انتصارًا للحرية”، بينما قرأه آخرون كخطوة سياسية تحمل توقيع إسرائيل وواشنطن معًا. إذ يمكن القول إن إسرائيل كانت اللاعب الخفي في المشهد الفنزويلي منذ يوليو 2020، حين وقّعت ماريا كورينا ماتشادو اتفاقية رسمية مع حزب الليكود الإسرائيلي الحاكم آنذاك بقيادة بنيامين نيتنياهو.
هذه الاتفاقية، التي وُقعت في تل أبيب بحضور إيلي فيريد حزان ممثل العلاقات الخارجية في الليكود، نصّت على التعاون بين الطرفين في مجالات السياسة والفكر والأمن والجيوسياسة، إلى جانب تعزيز «القيم الغربية» مثل اقتصاد السوق والحرية الفردية. لم يكن الأمر مجرد بروتوكول رمزي، بل تحالف سياسي حقيقي وضع المعارضة الفنزويلية في موقع متقدم داخل دوائر القرار الغربية والإسرائيلية، مما يثير علامات استفهام حول مدى استقلاليتها ودورها الفعلي.
ومن هنا يمكن فهم المشهد من خلال العلاقة المتوترة بين كاراكاس وتل أبيب، فالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي واصل خط الزعيم الراحل هوغو تشافيز، تمسك بمواقفه المؤيدة لفلسطين والرافضة لسياسات إسرائيل في غزة، بل وصف ما تقوم به إسرائيل بأنه جرائم حرب، وأغلق سفارتها تضامنًا مع الشعب الفلسطيني. هذا الموقف أغضب تل أبيب وواشنطن معًا، خاصة بعد أن أقامت فنزويلا شراكات اقتصادية وأمنية مع إيران، الخصم الأبرز لإسرائيل في المنطقة.
عند تلك النقطة بدأ العمل الممنهج لإضعاف نظام مادورو من الداخل عبر دعم خصومه السياسيين ماليًا وإعلاميًا ولوجستيًا، وكان ذلك الدعم يتزايد مع مرور الوقت حتى أصبحت المعارضة الفنزويلية أشبه بمشروع غربي جديد في أمريكا اللاتينية. فُتحت أمامها قنوات اتصال دولية ومنصات إعلامية كبرى لتقديم نفسها كصوت “الحرية والديمقراطية”، في حين كانت تصمت تمامًا أمام جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة. لم تُصدر زعيمتها ماريا كورينا أي بيان إدانة، ولم تتحدث يومًا عن معاناة المدنيين الفلسطينيين، واكتفت بتمجيد ما وصفته بـ«القيم الغربية»، وهي القيم التي تُستخدم في كثير من الأحيان لتبرير الحروب والعقوبات والسيطرة السياسية.
أما الدعم الأمريكي فقد كان واضحًا منذ فترة حكم الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ رغبته في إسقاط مادورو، معتبرًا فنزويلا “نقطة ارتكاز لإيران وروسيا في نصف الكرة الغربي”. ولتحقيق هذا الهدف، احتاج ترامب إلى معارضة مدعومة ومهيأة للتحرك داخليًا، وهنا جاء التحالف الإسرائيلي–الفنزويلي المعارض كحل مثالي، حيث لعبت تل أبيب دور الوسيط الذي جمع بين مصالح واشنطن وتطلعات المعارضة الفنزويلية.
لكن المفارقة أن ترامب، الذي سعى لتشكيل خريطة جديدة في أمريكا اللاتينية عبر دعم هذه المعارضة، خسر هو نفسه فرصة الفوز بجائزة نوبل للسلام رغم دوره في اتفاقيات التطبيع بالشرق الأوسط، بينما مُنحت الجائزة لمعارضة كانت مدعومة من نفس القوى التي دعمته هو سياسيًا. هذا يثير تساؤلات عميقة حول من يوجه البوصلة فعلاً في السياسة الدولية: واشنطن أم تل أبيب؟
إن جائزة نوبل للسلام، رغم ما تحمله من رمزية إنسانية، تعكس أحيانًا موازين القوى أكثر مما تعبر عن جوهر السلام نفسه. فحين تُمنح لمعارضة لم تُدن الحروب ولم تنادِ بالسلام في غزة أو اليمن أو السودان، يصبح المعنى سياسيًا لا إنسانيًا. ولذلك يرى المراقبون أن فوز المعارضة الفنزويلية لم يكن تتويجًا لجهود سلام حقيقية، بل تتويجًا لمسار سياسي طويل رعته إسرائيل والولايات المتحدة لإعادة رسم التحالفات في أمريكا اللاتينية، في ما يمكن تسميته “سلام المصالح”، لا “سلام الشعوب”.
🎯 أبعاد أعمق وأهداف خفية
هذا الفوز يطرح عشر دلالات يمكن قراءتها بوضوح:
1. تبييض صورة إسرائيل بعد الانتقادات الواسعة لعدوانها على غزة.
2. تحويل المعارضة الفنزويلية إلى نموذج قابل للتكرار في دول أخرى معادية لإسرائيل.
3. إعادة ترسيخ الحضور الأمريكي في أمريكا الجنوبية بعد تراجع نفوذها لصالح روسيا والصين.
4. إقصاء الأصوات المؤيدة لفلسطين من الساحة السياسية اللاتينية.
5. تسويق ماريا كورينا كوجه جديد للسلام الغربي.
6. ربط جائزة نوبل بقيم السوق والليبرالية بدلًا من القيم الإنسانية.
7. توجيه إنذار مبطن للدول التي تتحالف مع إيران.
8. إبراز إسرائيل كصاحبة نفوذ ناعم قادر على صناعة الرموز الدولية.
9. تهميش التجارب الحقيقية في مقاومة الاستبداد والاحتلال.
10. إعادة تعريف السلام ليصبح مجرد أداة سياسية لا تعبيرًا عن العدالة.
نوبل بنكهة إسرائيلية
فوز المعارضة الفنزويلية بجائزة نوبل ليس تكريمًا لجهود سلام حقيقية، بل رسالة سياسية تقول:
«من يقف معنا… نمنحه شرعية العالم».
ماريا كورينا ماتشادو لم تحمل غصن زيتون، ولم تسعَ لوقف حرب، لكنها حملت توقيعًا على اتفاق مع حزب الليكود الإسرائيلي، الحزب ذاته الذي يقود واحدة من أكثر الحكومات تشددًا في التاريخ الحديث.
هكذا تتحول الجوائز إلى أدوات دبلوماسية، والسلام إلى شعار تجميلي يمر عبر تل أبيب، بينما تبقى غزة وحدها تدفع الثمن الحقيقي للسياسة الدولية.