حرب الإخوان والسلفيين في غزة والنتيجة مجزرة

بقلم صموئيل العشاي:

ما حدث بين جماعة الإخوان المتمثلة في حركة حماس وعائلة دغمش التي انبثق منها ما سُمّي بـ جيش الإسلام، ليس مجرد خلاف محلي داخل قطاع غزة، بل هو انعكاس لصراعٍ فكري وتنظيمي عميق يمتد جذوره إلى ما قبل قيام حماس نفسها. جيش الإسلام تنظيم سلفي جهادي تشكل مطلع الألفية على يد ممتاز دغمش، وهو رجل بايع فكر القاعدة واعتنق نهجها القتالي العقائدي، وسعى إلى فرض رؤيته المتشددة في غزة حتى على حساب حماس ذاتها.

والأمريكان – كما يبدو – يدركون جيدًا طبيعة هذا التنظيم، لذلك غضّوا الطرف عن بقاء حماس في موقع السيطرة، معتبرين أن بقاءها أهون من أن تسقط غزة في يد التيار السلفي الجهادي الأكثر تطرفًا، والذي لا يمكن ضبطه أو التفاهم معه. ولهذا سُمح لحماس بإدارة القطاع مؤقتًا تحت شعار “الاستقرار الأمني”، في توازنٍ دقيق بين السيطرة والمراقبة.

تاريخيًا، ظل الصراع بين الإخوان والسلفيين قائمًا على اختلاف المنهج والرؤية. فالإخوان يقدّمون أنفسهم كـ “حركة سياسية إسلامية” تمتلك أدوات التفاوض والاختراق المؤسسي، وتؤمن بضرورة التعامل مع الأنظمة والحكومات لتحقيق أهدافها على المدى البعيد.

أما السلفيون، فيرون أن هذا المسار “تنازلٌ عن الدين” وميوعة في المبدأ، فيميلون إلى التشدد والقطيعة مع كل ما يرونه مخالفًا لعقيدتهم، حتى لو كان في التفاصيل الصغيرة.

الإخوان يصفون السلفيين بأنهم “أسرى النصوص دون فقه الواقع”، فيما يرد السلفيون بأن الإخوان “طلاب سلطة” يسخّرون الدين لأغراض سياسية.

في غزة تحديدًا، تفاقم هذا الصراع لأن كل طرف يرى نفسه الوريث الشرعي للمقاومة الإسلامية. حماس تمتلك السلطة والسلاح والمنافذ، بينما السلفيون الجهاديون يرون أن حماس “تخلت عن الجهاد” بعد أن دخلت الانتخابات ووقّعت هدَنات متكررة مع إسرائيل.

وفي المقابل، تعتبر حماس تلك الجماعات عبئًا أمنيًا خطيرًا، لأنها تفتح جبهات غير محسوبة وتستدرج القصف الإسرائيلي في أوقات حرجة.

هذا الصراع لم يكن فكريًا فقط، بل تحوّل في فترات معينة إلى صدام دموي. ففي عام 2009 اقتحمت حماس مسجد ابن تيمية في رفح بعد إعلان “جند أنصار الله” – إحدى الجماعات السلفية المرتبطة بدغمش – “إمارة إسلامية” في غزة. سقط عشرات القتلى، وأرسلت حماس حينها رسالة واضحة: “القرار في غزة بيدنا وحدنا”.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ مسلسل طويل من الاغتيالات والملاحقات المتبادلة بين الجناحين.

وفي المشهد الإقليمي الأوسع، يتجلى تناقض آخر؛ ففي سوريا دعمت القوى الدولية، وعلى رأسها واشنطن، جماعات سلفية جهادية لإسقاط النظام، بينما في غزة دعمت بقاء حماس الإخوانية لضمان “توازن الهدوء”. هذا التناقض لا يمكن فهمه إلا في ضوء السياسة الأمريكية التي تُعيد تشكيل الجماعات الدينية وفق الحاجة والمكان والزمان.

لكن لا يمكن بأي حال الزعم أن دغمش أو جيشه موالٍ لإسرائيل. فالحقيقة أن الرجل موالٍ للقاعدة وللتنظيمات السلفية المتطرفة العابرة للحدود، التي ترى في الصراع مع الغرب والعالم الإسلامي الرسمي “واجبًا شرعيًا” لا مساومة فيه.

جيش الإسلام تورط في تفجيراتٍ وأحداث دامية، من أبرزها تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية عام 2010، وفق ما أعلنته وزارة الداخلية المصرية آنذاك، كما نفذ عمليات خطف واغتيال داخل غزة وخارجها، ما جعله على قوائم الإرهاب في عدد من الدول.

إذن، فالمعادلة ليست مجرد صراع على النفوذ، بل هي حرب هوية داخل التيار الإسلامي نفسه. حماس تمثل “الإسلام السياسي البراغماتي”، بينما دغمش يمثل “الإسلام الجهادي المتشدد”، وكلاهما يرى نفسه الممثل الأصدق لدين الله في الأرض.

لكن التاريخ يثبت أن من يرفع راية الدين لتحقيق السلطة، ينتهي دائمًا إلى صراع مع من يرفع الراية نفسها لذات الغاية، وإن اختلفت الشعارات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى